2024-04-17

عن واقعة  الابتزاز الجنسي للأطفال عبر الأنترنات : الجريمة السيبرانية خطر داهم… أيضا

هل تفاجأنا حقا بتفاصيل الواقعة الاجرامية الأخيرة في حق بعض الأطفال ؟ هل مثّلنا أننا مصدومون وخائفون ؟ ألم نكن نعلم ان أطفالنا يعيشون في عالم مواز لا نعلم عنه شيئا تقريبا ؟ هل كنا نجهل ام نتجاهل ما يحدث في الغرف الصغيرة المغلقة التي لا يفصلنا عنها سوى جدار وداخل بيوتنا ؟ ومن منا يجرؤ اليوم ان يقول إنه يعرف اطفاله او انه يتابع عن كثب ما يحدث معهم ؟

هذه الأسئلة الإنكارية نحتاج ان نطرحها على انفسنا سواء كأولياء او كمربّين او كدولة ونحن نعلم جميعا في قرارة انفسنا اننا بصدد اهدار أثمن ثروة نمتلكها. وإذا كانت واقعة الابتزاز الجنسي الأخيرة  التي كان ضحيتها مجموعة من الأطفال  قد هزتنا عميقا فهي بالتأكيد ليست الأولى ولن تكون قطعا الأخيرة. وسنظل نهبّ فزعين كلما جدّ جديد لنعود الى سباتنا الشتوي مرة أخرى.

هنا سنورد بعض التفاصيل عن الجريمة السيبرانية التي نفذها كهل موتور ومهووس بالجنسانية على ما يبدو فاستغل وجود أطفال قصّر أعمارهم ما بين  10 و 12 سنة يبحرون بلا رقيب او حسيب على مواقع التواصل الاجتماعي وقد انشؤوا حسابات على فايسبوك فقام باستدراجهم  عبر ارسال دعوات وهمية لهم على أساس انه فتاة صغيرة في مثل سنهم. ومن هذا المنطلق بدأ يحفّز فيهم بعض الغرائز محاولا اغواءهم وقد أمكن له ذلك فتحصل منهم على صور عارية ثم كشف عن وجهه الحقيقي الكريه ليبتزهم بتلك الصور ويطلب منهم سلوكا مخلاّ يتم تنفيذه على هذه المواقع عبر بعض خاصيات التواصل عن بعد.

وقد تم كل ذلك في غفلة من الأولياء ومع حالة الرعب التي تملّكت الأطفال من البوح للأهل خوفا من العقاب وخجلا من الصور العارية.

ولولا جرأة إحدى الأمهات التي صارحها ابنها بما حدث لظل الأمر طيّ الكتمان ولأوقع هذا المجرم الخطير الكثير من الأطفال في شباكه.

ونقف عند هذا الحد من التفاصيل نظرا لأن الموضوع قيد التحقيق اليوم وشخصية الجاني بدأت ملامحها تتوضح.

لكن ما يعنينا وما يمكن ان نستخلصه من هذه الواقعة ومثيلاتها هو قطعا أن مخاطر الأنترنات فاقت اليوم كل الحدود خاصة على الأجيال الجديدة. وتقتضي المكاشفة هنا القول إن الأولياء يتحملون مسؤولية كبرى بهذا الخصوص مع تفاقم ظاهرة الجريمة السيبرانية.

فهناك استسهال لتمكين الأطفال من الهواتف الذكية واعتبارها بمثابة أداة للتسلية والترفيه دون مراقبة أو تأطير. وتمكين الأطفال منها يتم في سياق الاستجابة لرغباتهم و النسج على منوال زملائهم رغم كل التحذيرات العلمية والتربوية  والنفسية القائلة بمخاطر الشاشات عموما وبمحتويات ومضامين الأنترنات خصوصا والتي ينبغي ان يتم استهلاكها من قبل الصغار اذا اقتضى الامر مع مراقبة ومتابعة الولي وفي أوقات محدودة.

كما ان انشاء حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي وكما هو معلوم يمنع منعا باتا قبل سن الثالثة عشر. وهذه القاعدة يتم خرقها من قبل الاولياء والتلاميذ بل هناك آباء وامهات يعتبرون تمكين أبنائهم من الهواتف الذكية بمثابة «تلهية» حتى لا يقومون بإزعاجهم.

وإذا أضفنا الى كل هذا غياب مرافق التسلية والترفيه الراقي سواء داخل اسوار المؤسسة التربوية او في الفضاءات الثقافية التي باتت في أغلبها خاوية على عروشها ماديا ورمزيا وبالتالي فإن الطبيعة تأبى الفراغ وهذا الفراغ ليس افضل من التكنولوجيا الذكية السالبة للعقول لتملأه بما تريد.

ونظرا لخطورة الوضع وللتهديد الجدي الذي يعيشه الأطفال وهم فئة هشة فإن الدولة مدعوة الى اتخاذ تدابير عاجلة ضد مرتكبي الجرائم السيبرانية وإيجاد تشريعات جديدة متماشية مع التطور الهائل في هذا الخصوص والعمل على حماية الطفولة المهددة.

أما بالنسبة الى العائلة فإنه من المهم أيضا ان يعي الأولياء ان أدوارهم ليست مقتصرة على الرعاية وتوفير الحاجيات المادية الضرورية للأطفال من مأكل وملبس وتعليم وصحة بل إن التربية والتأطير و زرع  القيم لا تقل أهمية عن المهمة الأولى. وعلينا خاصة ان لا نتعامل بمنطق ان هذا لا يحدث إلا للآخرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

على هامش الاحتفاء بالبروفيسور الباوندي : كيف نستثمر في البحث العلمي؟

حل بيننا البروفيسور منجي الباوندي صاحب جائزة نوبل للكيمياء  ضيفا على تونس بلده الأصلي وتم …