مع اقتراب نهاية أوت وانتهاء أوسو بالتقويم الفلاحي يستعد الفلاحون إلى موسم البدايات وينتظرون أمطار الخريف الأولى التي تحمل البشارات بموسم واعد.

لكن انتظاراتهم واستعداداتهم الفردية لا تكفي أن ترافقها استراتيجيات الدولة بشأن الموسم الجديد. والتي تتأسس على خطط ميدانية مدروسة بشكل دقيق من أجل ضمان كل فرص النجاح لهذا الموسم.
فمن المتعارف عليه أن الزراعات الكبرى في تونس هي القاطرة التي تقود القطاع الفلاحي بأكمله والاستعداد الجيد لها يضمن فرص النجاح والحصاد الوفير. مع العلم أن السنة الماضية كانت دون المأمول فقد أثرت التغييرات المناخية بشكل مباشر على صابة الحبوب فتراجع إنتاج بلادنا مثلا بـ 60 بالمائة من القمح الصلب بالمقارنة مع المواسم الماضية في الوقت الذي كنا نراهن فيه على تحقيق الاكتفاء الذاتي لمجابهة الأزمة العالمية في مجال الحبوب جراء الحرب الأوكرانية الروسية.
والآن وقد جرت الرياح بما لا تشتهي سفننا ماذا نحن فاعلون؟

أسئلة كثيرة معلقة حتى الآن بشأن الموسم الفلاحي المنتظر الذي من الحتمي أن تتوفر كل الظروف لإنجاحه وان تتعاضد كل الجهود من أجل ضمان أفضل السبل للنهوض بالاقتصاد الأخضر باعتباره العمود الفقري لأي نهوض اقتصادي وهو بوابة السيادة الوطنية الحقيقية، فوحدها السيادة الغذائية تضمن استقلالية القرار السياسي.

وفي هذا السياق ونحن قاب قوسين أو أدنى من انطلاقة الموسم الفلاحي الجديد ألا يكون من المهم الإصغاء إلى أهل القطاع ومد جسور الحوار معهم من قبل وزارة الفلاحة كمنطلق لتشخيص الأوضاع وإيجاد الحلول الكفيلة بمجابهة كل القضايا المتصلة بهذا المجال.
وإذا أردنا التفصيل يمكن التطرق في البدء إلى مسألة البذور، والسؤال المطروح الآن هل سيتم استيرادها هذه السنة أم سيكون الاعتماد كليا على البذور المحلية؟ وهل تكفي الكمية المتوفرة لدينا حاليا لتغطية كل الحاجيات المتصلة بالبذر….؟
والأكيد أن هذه أولى الإشكاليات التي تواجه الفلاحين مع انطلاقة الموسم الجديد مع الأخذ بعين الاعتبار مسألة ندرة الحبوب بالنظر إلى التراجع الكبير للصابة هذا العام وأيضا مع الأخذ في الحسبان الأزمة المالية التي تعيشها بلادنا والتي لم تعد خافية على أحد.
ثمة أيضا معطى آخر في غاية الأهمية وهو الأسمدة ونحن نعلم جميعا مدى أهميتها بالنسبة إلى الحبوب والسؤال المطروح عن الكميات التي سنحتاجها هذا الموسم وهل ستكون محلية أو مستوردة؟ وهذا يقودنا إلى تساؤل آخر عن وضعية إنتاج الفسفاط حاليا وعن منتجات المجمع
الكيميائي بقابس خاصة الأسمدة …؟

وفي سياق متصل من المهم أيضا أن تتوجه وزارة الفلاحة إلى عموم التونسيين بتفاصيل عن آثار الجفاف خلال هذا الموسم وما هي الخطط التي أعدتها للتخفيف من تداعياتها على الأمن الغذائي الذي ينبغي المحافظة عليه بكل السبل.
وما دمنا في سياق الحديث عن الغذاء ألا يحق لنا التساؤل عن كمية القمح صلبا ولينا تلك التي سنحتاجها في الفترة القادمة لتأمين حاجياتنا الغذائية؟

إذن بعد موسم فلاحي متعثر و صابة دون المأمول يمكن القول إن الوضع يقتضي أن تبذل كل الجهود من اجل ضمان نجاح الموسم الجديد والاستعداد الجيد لكل الطوارئ لا سمح الله وفي مقدمتها التغييرات المناخية التي عشنا تقلباتها في الموسم الماضي وعاينّا آثارها على حياتنا بشكل ملموس والتي ما فتئ علماء المناخ يحذّرون منها عالميا ويؤكدون على ضرورة إيجاد الخطط العلمية لمجابهتها في المدى القريب والمتوسط. والاستعداد لمخاطرها على المدى الطويل.
وهنا سيكون من المهم الاستفادة من الخبراء وأصحاب الكفاءات النوعية في التخصصات المتصلة بالمجال الفلاحي مع الاستئناس بخبرات ومهارات الفلاحين أنفسهم لتطوير القطاع والتخفيف من حدة تداعيات التغييرات المناخية على أمننا الغذائي وبالتالي سيادتنا الوطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

ملف التربية والتعليم في تونس : إلى أين نحن ذاهبون..؟

ما الذي جعل نسبة زيادة المدارس الخاصة ترتفع في تونس بشكل مذهل  وصل حدود 488 بالمائة في الع…