هل غيّرت الهيئة الوطنية للمحامين تموقعها ؟ هل أدركت ان حسابات السياسة تقتضي موقفا جديدا يتّسق مع السياق الحالي؟ هل ستمضي بعيدا في موقفها ؟ ام لعلها ستكتفي بالبيان الذي صدر عنها مؤخرا وجاء مغايرا تماما لأسلوب القفازة الحريرية الذي تعاملت به طوال المرحلة الماضية؟

كل هذه الأسئلة وغيرها  لاشك انها خامرت أذهان المتابعين للشأن العام ورجال القانون وقطاع المحامين بالتحديد وهم يقرؤون  بيانا ذا لهجة شديدة صادر عن الهيئة العليا للمحامين  في خصوص موقفها من بعض القضايا المطروحة على انظار القضاء او بشأن بعض الاحداث المتصلة بالحقوق والحريات في الآونة الأخيرة.

إذن جاء البيان الذي أصدرته عمادة المحامين بمناسبة عيد الاستقلال وفي اطار الاستلهام من الذكرى المجيدة معبرا عن التزام المحاماة التونسية بدورها الوطني وتمسكها برسالتها في الدفاع عن قيم العدالة والحرية وعلوية القانون. وفي التفاصيل الواردة في صلب البيان تتم الإشارة بشكل مباشر الى «تواتر استهداف   المحامين والصحافيين والنقابيين والناشطين الحقوقيين دون احترام مبدإ ملاءمة التتبع والضمانات الإجرائية في عديد الحالات».

والحقيقة ردود الأفعال إزاء هذا البيان جاءت متباينة فهناك من اعتبره موقفا شجاعا يحسب لعميد المحامين حاتم المزيو ومواصلة للمبادئ الثابتة التي تأسست عليها المحاماة التونسية منذ مرحلة ما قبل الاستقلال  وهناك من اعتبر ان هذا البيان يمثل «صحوة» لهذا القطاع  للقيام بدوره في خلق توازن في المشهد التونسي اجمالا وهناك من اعتبرالموقف دون المأمول وجاء بشكل متأخر وانه اقل بكثير من دور المحاماة وتاريخها ومن تأثيرها في ما يحدث لاسيما في صلب المؤسسات الدستورية  وهناك من ربط تقييمه لهذا الموقف بما سيترتب عنه وما سيليه.

ولكن الواضح في هذا البيان بشكل لا خلاف حوله هو انه جاء مناصرا بوضوح للحريات على إطلاقها ومتبنيا لمبدإ استقلالية القضاء. وهو يعكس تحولا عميقا في علاقة الهيئة الوطنية للمحامين بالسلطة التي آثر العميد حاتم المزيو ان يكون في تناغم معها منذ ان تم انتخابه على رأس العمادة وهو النهج الذي اختاره سلفه السيد إبراهيم بودربالة الذي اعلن مساندته اللامشروطة لمسار 25 جويلية وكل ما ترتب عنه.

لكن الواضح اليوم ان هناك مياه كثيرة جرت تحت الجسر فيبدو ان الفترة الأخيرة عرفت مراحل مدّ وجزر في علاقة بين الهيئة العليا للمحاماة والسلطة خاصة وان هناك مبادرة سياسية كانت العمادة احد الفاعلين  فيها الى جانب اتحاد الشغل والرابطة التونسية لحقوق الانسان والتي رأى فيها بعض المتابعين إمكانية لحلحلة بعض الأوضاع في حين قال  البعض الاخر بعدم جدواها.

كما ان قطاع المحاماة الذي لعب على امتداد كل المراحل التاريخية دورا مركزيا في الحياة السياسية وجد نفسه على يبدو خارج دائرة معادلات الفاعلين السياسية في تونس اليوم.

ويبدو ان عميد المحامين اختار هذه المرة ان يغادر «المنطقة المريحة» التي اختارها منذ توليه هذا المنصب في تحديد طبيعة العلاقة بينه وبين الماسكين بزمام الأمور.

ولعل  هذا البيان التصعيدي جاء  كجسّ نبض من ناحية لفهم نوايا الفاعل السياسي في المرحلة الحالية  وتذكيره بالقول «نحن هنا» للقيام بدور المعارضة إذا اقتضى الأمر. او لعله تموقع جديد تريده المحاماة لنفسها في معادلة سياسية لا تخلو من اختلال توازن لاسيما ونحن قاب قوسين او أدنى من استحقاق انتخابي مهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إزاء أزمة المهاجرين: لماذا صمت المجتمع المدني؟

أزمة الهجرة السرية تتفاقم يوما بعد آخر والسلطات التونسية تتفاوض مع الشركاء الأوروبيين  وخا…