لاشك أن مداخلة وزيرة العدل السيدة ليلى جفال مهمة جدا لدى مناقشة مشروع قانون متعلق بتنقيح مرسوم الصلح الجزائي وتوظيف عائداته وكان ذلك في رحاب البرلمان وفي تفاعل مع النواب الحاضرين.
وتكمن أهمية ما أدلت به وزيرة العدل في كونها فتحت أفقا جديدا للتعامل مع بعض الوضعيات المالية لبعض رجال الأعمال وقالت صراحة أنه «لا مصلحة في سجن رجال الأعمال والصلح الجزائي فرصة لتصفية القلوب».
إذن يبدو أن النية لدى السلطة تتجه الآن نحو ترجيح كفة التعاطي التفاوضي أو الودي مع هذه الفئة من رجال الأعمال بدل التعويل على المسارات القضائية التي تحسم في أروقة المحاكم فقط.
والأكيد انه لا مجال للتفريط في حق الشعب التونسي في مقدراته وأموال المجموعة الوطنية تحت أي مسميات لكن أيضا الدولة تتعاطى بعقل بارد ولا تريد ان تتعامل بمنطق التشفي والانتقام.

والواضح ان فلسفة الصلح الجزائي في جوهرها تقوم على المصالحة في اطار الشفافية المطلقة وتأكيدا لهذا المعنى قالت وزيرة العدل إنه تم الاشتغال على ملف الصلح الجزائي بكل شفافية مع اللجنة المختصة بطريقة تضمن مصلحة الشعب التونسي «المفقّر» ولكنها شددت في السياق نفسه على ضرورة ان تتضافر الجهود من اجل إنجاح هذا المسار.
ومن المعلوم ان هناك عديد رجال الاعمال الذين يقبعون الان في السجن وتلاحقهم تهم فساد مالية كبيرة لم يركنوا الى الصلح الجزائي من اجل الذهاب في مسارات صلحية تفاوضية مع الدولة تضمن حقوق جميع الأطراف.
وربما يكون ما أدلت به وزيرة العدل رسالة قوية ومضمونة الوصول لهذه الفئة من رجال الاعمال ولغيرهم من الذين تحوم حولهم شبهات فساد مالي أيضا ولم تتم مقاضاتهم حتى اليوم من اجل تسوية وضعياتهم في اطار لجنة الصلح الجزائي وبعيدا عن أروقة المحاكم وهذا افضل للجميع.
وقد أبدت الوزيرة في هذا الصدد بعض الامتعاض من المشروع التعديلي المقترح من قبل النواب ورأت انه يفرغ عملية الصلح الجزائي من مضمونها ويطيل الإجراءات.

وبالتالي يحيد به عن الأهداف التي وضع من أجلها وعن المسار الذي يرنو الى تحقيقه. مع التذكير بأن الصلح الجزائي يهدف أساسا الى الحوكمة وتيسير الإجراءات وتحقيق جملة من الضمانات.
وهنا من المهم التأكيد ووفق ما جاء على لسان وزيرة العدل ليلى جفال ان عملية الصلح الجزائي هي بمثابة المصالحة مع الشعب التونسي الذي اهدرت أمواله ونهبت وتم الاستيلاء عليها بطرق غير قانونية وغير شرعية وبالتالي من المهم ان يستردها بالقانون .
ونضيف على هذا انه لا مصلحة للدولة في سلب حرية بعض رجال الأعمال الضالعين في هذه القضايا اذا جنحوا لتطبيق القانون في اطار مسار الصلح الجزائي وبالتالي يمكن ان تطوى الملفات المنشورة لدى القضاء.
وبقدر ما يتم التسريع في الإجراءات بقدر ما يمكن التعجيل بوضع نقطة النهاية لعديد الملفات العالقة والتي يمكن ان تكون بداية لمصالحة شاملة نحن في أشدّ الحاجة اليها.
فالأكيد ان تونس التي تستعد لمحطات سياسية مهمة منتظرة في سنة 2024 والتي تعيش أتون أزمة اقتصادية خانقة وهي التي راهنت على التعويل على الذات من المهم ان يكون شعبها بكل فئاته وطبقاته ملتحما ببعضه وملتفا حول مصلحة بلاده بعيدا عن الضغائن والأحقاد والتشفي وتصفية الحسابات . والأكيد ان المصالحة الشاملة ستكون حلا ناجعا وحاسما من أجل رأب الصدع والتوجه بخطى ثابتة نحو بناء مستقبل هذا البلد بعد سنوات من التخريب الممنهج وتفشي الفساد بكل أشكاله وأنماطه في مفاصل الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

تونس حاضرة في قمة السبعة الكبار : متفاعلة مع محيطها وخارج دائرة العزلة

من قال إن تونس تعيش عزلة دولية ؟ ومن يصدق ان بلادنا خارج دائرة حسابات الفاعلين الكبار ؟ وه…