2024-01-07

ارفعوا‭ ‬رؤوسكم‭ ‬في‭ ‬السماء‭ ‬وقولوا‭ ‬إننا‭ ‬من‭ ‬تونس‭:‬ في‭ ‬توحيد‭ ‬الخطاب‭ ‬الديبلوماسي‭ ‬حتى‭ ‬يكون‭ ‬متناغما‭ ‬مع‭ ‬خطاب‭ ‬الدولة‭..!‬

كلمات‭ ‬قليلة‭ ‬قالها‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬خلال‭ ‬حفل‭ ‬تسليم‭ ‬أوراق‭ ‬اعتماد‭ ‬عشرة‭ ‬سفراء‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭ ‬لتونس‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬عواصم‭ ‬العالم،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬لافتا‭ ‬كلامه‭ ‬الواضح‭ ‬ونبرته‭ ‬الواثقة‭ ‬ولهجته‭ ‬الصارمة،‭ ‬حين‭ ‬قال‭ ‬لهم‭ ‬جميعا،‭ ‬ارفعوا‭ ‬رؤوسكم‭ ‬وقولوا‭ ‬إننا‭ ‬من‭ ‬تونس‭.‬

هي‭ ‬عبارات‭ ‬ليست‭ ‬غريبة‭ ‬عن‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬الذي‭ ‬ألف‭ ‬الناس‭ ‬خطابه‭ ‬ذا‭ ‬السقف‭ ‬العالي‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالسيادة‭ ‬الوطنية‭ ‬والفخر‭ ‬بالانتماء،‭ ‬لكن‭ ‬المناسبة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تجعله‭ ‬حسب‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬المحللين،‭ ‬يُصنّف‭ ‬خطابا‭ ‬من‭ ‬ذوات‭ ‬السقف‭ ‬العالي،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الرئيس‭ ‬يقصد‭ ‬به‭ ‬دولا‭ ‬وحكومات‭ ‬بعينها‭ ‬لا‭ ‬تعطي‭ ‬لتونس‭ ‬المكانة‭ ‬التي‭ ‬تستحقها،‭ ‬وربما‭ ‬ايضا‭ ‬يردّ‭ ‬به‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬التصرفات‭ ‬الفردية‭ ‬لدبلوماسيين‭ ‬تونسيين‭ ‬أساءت‭ ‬لسمعة‭ ‬تونس‭ ‬في‭ ‬السابق،‭ ‬او‭ ‬بعضا‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬يأنفون‭ ‬من‭ ‬ذكر‭ ‬بلادهم‭ ‬بكل‭ ‬فخر‭ ‬واعتزاز‭.‬

كلها‭ ‬احتمالات‭ ‬تبقى‭ ‬قائمة،‭ ‬لكنها‭ ‬بالمحصّلة‭ ‬ليست‭ ‬بغريبة‭ ‬عن‭ ‬مفردات‭ ‬خطاب‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬الذي‭ ‬ألفه‭ ‬الناس‭ ‬والذي‭ ‬يبدو‭ ‬دائما‭ ‬مسكونا‭ ‬بهاجس‭ ‬التحدي‭ ‬واثبات‭ ‬الشخصية‭ ‬التونسية‭ ‬كقيمة‭ ‬عليا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التساهل‭ ‬معها‭ ‬او‭ ‬التهاون‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عنها‭.‬

البعض‭ ‬الآخر‭ ‬ذهب‭ ‬الى‭ ‬حدود‭ ‬القول‭ ‬ان‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬يرسم‭ ‬منهجا‭ ‬جديدا‭ ‬للدبلوماسية‭ ‬التونسية‭ ‬قوامه‭ ‬التحدي‭ ‬والتشبث‭ ‬بالموقف‭ ‬الوطني‭ ‬والمصلحة‭ ‬العليا‭ ‬للبلاد‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬الظروف،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬تعريجه‭ ‬على‭ ‬موقف‭ ‬تونس‭ ‬الثابت‭ ‬من‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ومساندتها‭ ‬المطلقة‭ ‬واللامشروطة‭ ‬لنضال‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وصموده‭ ‬الاسطوري‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬آلة‭ ‬الحرب‭ ‬الهمجية‭ ‬الاسرائيلية‭.‬

فرئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬يعرف‭ ‬جيدا‭ ‬أن‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬العواصم‭ ‬التي‭ ‬يتوجه‭ ‬اليها‭ ‬السفراء‭ ‬الجدد‭ ‬تقف‭ ‬مع‭ ‬العدو‭ ‬الصهيوني،‭ ‬وتسانده‭ ‬بقوة،‭ ‬ويعرف‭ ‬أنها‭ ‬تتخذ‭ ‬مواقف‭ ‬عدائية‭ ‬من‭ ‬تونس‭ ‬وتصنفها‭ ‬دولة‭ ‬غير‭ ‬منفتحة‭ ‬او‭ ‬غير‭ ‬معتدلة‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالصراع‭ ‬العربي‭ ‬الصهيوني،‭ ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يبدي‭ ‬استغرابه‭ ‬من‭ ‬الخطاب‭ ‬الرئاسي‭ ‬حول‭ ‬ضرورة‭ ‬الكفاح‭ ‬المسلح‭ ‬كحلّ‭ ‬وحيد‭ ‬لتحقيق‭ ‬استقلال‭ ‬فلسطين‭ ‬من‭ ‬النهر‭ ‬الى‭ ‬البحر،‭ ‬ويعتبرونه‭ ‬خطابا‭ ‬قويا‭ ‬اعتقدوا‭ ‬لزمن‭ ‬طويل‭ ‬انه‭ ‬قد‭ ‬ولّى‭ ‬وانتهى،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬تبدي‭ ‬استغرابها‭ ‬من‭ ‬تشبث‭ ‬تونس‭ ‬بالحق‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وابتعادها‭ ‬قدر‭ ‬الامكان‭ ‬عن‭ ‬الحلول‭ ‬الاستسلامية‭ ‬التي‭ ‬تطرح‭ ‬هنا‭ ‬وهناك،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬المحافل‭ ‬العربية‭ ‬لتمييع‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬والتجاوز‭ ‬عن‭ ‬الحق‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬تثبيت‭ ‬مشاريع‭ ‬شراكات‭ ‬وهمية‭ ‬وتطبيع‭ ‬مكتوب‭ ‬عليه‭ ‬الفشل‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬يبدأ‭.‬

فتونس‭ ‬اختارت‭ ‬طريقا‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬وهي‭ ‬تعرف‭ ‬انها‭ ‬قد‭ ‬تدفع‭ ‬ثمنا‭ ‬غاليا‭ ‬لهذه‭ ‬المواقف،‭ ‬لكن‭ ‬يبدو‭ ‬انها‭ ‬لا‭ ‬تنوي‭ ‬التراجع‭ ‬عنها‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬الضغوطات،‭ ‬وذلك‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬الى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬كلام‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬للسادة‭ ‬السفراء،‭ ‬حين‭ ‬يقول‭ ‬ارفعوا‭ ‬رؤوسكم‭ ‬وقولوا‭ ‬اننا‭ ‬من‭ ‬تونس،‭ ‬أي‭ ‬لا‭ ‬تتراجعوا‭ ‬عن‭ ‬موقف‭ ‬تونس‭ ‬واعتزوا‭ ‬بأنكم‭ ‬تنتمون‭ ‬الى‭ ‬بلد‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬قويا‭ ‬بحجمه‭ ‬وثرواته‭ ‬وتجهيزاته‭ ‬لكنه‭ ‬ثابت‭ ‬على‭ ‬مواقفه‭ ‬الصحيحة‭ ‬والمشرّفة‭.‬

هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬يؤكد‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬تشبث‭ ‬تونس‭ ‬بمواقفها‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الدولي،‭ ‬ويؤكد‭ ‬أيضا‭ ‬عزم‭ ‬تونس‭ ‬الجديدة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬أو‭ ‬التأسيس‭ ‬لسياسة‭ ‬دبلوماسية‭ ‬جديدة‭ ‬قوامها‭ ‬المصلحة‭ ‬العليا‭ ‬للبلاد،‭ ‬في‭ ‬حلّ‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ارتباطات‭ ‬أو‭ ‬تحالفات‭ ‬او‭ ‬توافقات‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬تبعدها‭ ‬عن‭ ‬الغاية‭ ‬الأساسية‭ ‬وهي‭ ‬تمثيل‭ ‬تونس‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الدولي‭ ‬على‭ ‬أكمل‭ ‬وجه،‭ ‬وابلاغ‭ ‬العالم‭ ‬مواقفها‭ ‬الشجاعة،‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬القضايا‭ ‬العادلة،‭ ‬اضافة‭ ‬الى‭ ‬المهمات‭ ‬العادية‭ ‬كرعاية‭ ‬الجالية‭ ‬التونسية‭ ‬بالخارج‭ ‬واستجلاب‭ ‬التنمية‭ ‬والاستثمار‭ ‬والتعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وفي‭ ‬مختلف‭ ‬المجالات‭.‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬مرتفع‭ ‬السقف‭ ‬يذكّر‭ ‬الكثيرين‭ ‬بأمجاد‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬التونسية‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬يقرأ‭ ‬لها‭ ‬الف‭ ‬حساب‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬رغم‭ ‬ان‭ ‬بلادنا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬يوما‭ ‬قوة‭ ‬نووية‭ ‬او‭ ‬معجزة‭ ‬اقتصادية‭ ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬مرموقة‭ ‬وصوتها‭ ‬مسموع‭ ‬وصورتها‭ ‬براقة،‭ ‬وعدّلت‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬بوصلتها‭ ‬على‭ ‬توجهات‭ ‬تونس‭ ‬المحايدة،‭ ‬وغير‭ ‬المنحازة،‭ ‬والمناصرة‭ ‬للقضايا‭ ‬العادلة،‭ ‬والصادعة‭ ‬بصوت‭ ‬الحق‭ ‬والحرية،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الاخيرة‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬14‭ ‬جانفي‭ ‬2011‭ ‬شابتها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الإخلالات،‭ ‬سواء‭ ‬لضعف‭ ‬ربما‭ ‬في‭ ‬كفاءة‭ ‬السلك‭ ‬الذي‭ ‬باتت‭ ‬تعييناته‭ ‬تتم‭ ‬بالولاءات‭ ‬والانتماءات‭ ‬أو‭ ‬كذلك‭ ‬بسبب‭ ‬ارتباطات‭ ‬تبعية‭ ‬لبعض‭ ‬الاحزاب‭ ‬التي‭ ‬حكمت‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬والتحالفات،‭ ‬ما‭ ‬أفقد‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬التونسية‭ ‬شخصيتها‭ ‬وقوتها‭ ‬وتفرّدها،‭ ‬فهل‭ ‬ان‭ ‬خطاب‭ ‬أمس‭ ‬الاول‭ ‬تأسيس‭ ‬لمنهج‭ ‬جديد‭ ‬أم‭ ‬هو‭ ‬تحيين‭ ‬لصورة‭ ‬قديمة‭ ‬يخشى‭ ‬البعض‭ ‬ان‭ ‬تتآكل‭ ‬في‭ ‬مرايا‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬وتفقد‭ ‬بريقها‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬الأحداث‭ ‬السريعة‭ ‬المتواترة‭.‬

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

رهان قد يصعب الايفاء به: استعادة صناعة الورق المدرسي من حلفاء القصرين

عوامل عديدة وتراكمات جمّة حكمت على شركة عجين الحلفاء بالقصرين بالخروج مبكرا من السباق الاق…