2023-12-21

قنوات الاتصال بين الاتحاد والسلطة توشك على غلق كل منافذها: هل ما يزال الحوار ممكنا…؟

يتواصل الصمت ويتواصل الفتور وتتواصل معه حالة الانسداد المؤقتة في قنوات الحوار بين ساحة محمد علي وساحة القصبة، ويتواصل أيضا مبدأ «شدّ العصا من الوسط» فلا هي مواجهة مفتوحة بين الطرفين الاجتماعي والسياسي، ولا هي علاقة مفتوحة أيضا على ما يتطلبه الانفتاح من حوار ومفاوضات وتفاهمات واتفاقات وحتى خلافات.

هذا الإنسداد المؤقت، قد يكون طال نوعا ما، وقد يكون أثّر في بعض القطاعات، وقد يخلّف تبعات لا حصر لها، خصوصا على القطاعات التي لم تنجز فيها اتفاقات سابقة، او كانت على وشك الانجاز حين بدأت ملامح القطيعة تظهر، عقب فشل الاتحاد في اقناع الرئيس بضرورة الجلوس للحوار مع كل الاطراف التي سبق له وأن أقصاها في حركة 25 جويلية.

صحيح ان مبادرة الاتحاد كانت تحمل في طياتها بعدا سياسيا قبل كل شيء، وكان الهدف منها عودة الحياة السياسية الى سالف نشاطها، وجلوس الجميع مع الجميع دون اقصاء، لكنها أيضا كانت ممتدة الى داخل الملف الاجتماعي الذي هو الهاجس الرئيسي للمنظمة الشغيلة، والذي يبدو انه يدفع الان فاتورة الخلاف السياسي بين رئيس الدولة وبين قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل من آليات التعاطي مع مسار 25 جويلية ومن المواقف التي اعتبرها الرئيس غير واضحة وغير مقنعة، واعتبرها الاتحاد الحد الادنى من القبول والتنازل خشية على المشهد السياسي في ذلك الوقت.

الأمر لم يقف عند خلاف حول مائدة حوار كان يريدها الاتحاد بأي ثمن، وكان يرفضها الرئيس بكل اصرار، بل تعدى الامر ذلك بكثير، وباتت كل قنوات الاتصال تقريبا مغلقة بين بطحاء محمد علي وبين ساحة القصبة، خاصة مع تواتر حكومات لم تمدّ اليد الى ملف العلاقة مع اتحاد الشغل، واعتبرته ملفا خاصا بالرئيس، ولم ترد التطرق الى أي نوع من الانفتاح على المنظمة الشغيلة، خشية ان يثير ذلك حفيظة الرئيس.

الوزير الوحيد في حكومتي السيدة بودن والسيد الحشاني، الذي حاول في عديد المرات ان يخلق فجوات في هذا الجدار ويفتح كوة في الأبواب المغلقة، هو وزير الشؤون الاجتماعية مالك الزاهي، الذي بات تقريبا همزة الوصل الوحيدة بين القصبة من جهة باعتباره المسؤول عن الوزارة الراعية لكل الحوارات وبين الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي قد يكون يريد الحوار في أي وقت لكن له استحقاقاته أيضا وله اكراهاته التي تجعله يلحّ على طلب الحوار المفتوح، الشفاف، والمبوّب حسب الملفات، والذي كان منتظما سابقا تحت يافطة حوار 5 زائد 5 لكن توقفه أربك حسابات كل الاطراف، وجعل القطيعة تتعمق بين الجانبين، بل قد يؤدي الى مواجهة تصاعدية اذا استمرت الحكومة في اصرارها على تجاهل طلبات التفاوض المتكررة، سواء مركزيا او قطاعيا وجهويا.

وهو ما برز بالخصوص في الندوة الصحفية التي عقدها الاتحاد بداية الاسبوع والتي قال فيها عضو المكتب التنفيذي عثمان الجلولي ان اقتراحات الحكومة او تلميحات السيد وزير الشؤون الاجتماعية حول امكانية التفريط بالبيع في بعض عقارات وأملاك الصناديق الاجتماعية هو نوع من الاعتداء الممنهج على مكتسبات الأجراء والمضمونين الاجتماعيين، وان الاتحاد لن يسكت ولن يجعل هذه المقترحات تمرّ مهما كانت التكاليف.

الجلولي بيّن في الندوة الصحفية ان هناك ملفات كثيرة يجب تدارسها بين الاتحاد والحكومة، وان ملف الحماية الاجتماعية هو من ضمنها، ولكن ليس الوحيد بل قطرة من بحر الملفات المتراكمة التي يرفض الجانب الحكومي التطرق اليها ومعالجتها، أو بالأحرى يرفض التطرق اليها بشراكة مع الاتحاد.

الحكومة من ناحيتها تعرف جيدا ان هذا الإنسداد في قنوات الحوار لا يمكن أن يخلّف تبعات ونتائج إيجابية لكن كما أسلفنا فانها تخشى الخوض في هذا المسار وتعتبر انه من صلاحيات رئيس الجمهورية فقط، في حين يبدو الاتحاد على الاقل من خلال ما يظهر من تصريحات ومواقف انه ينتظر أي اشارة لبدء حوار، خصوصا وهو يدرك جيدا ان حجم الملفات المتراكمة لم يعد يترك مجالا لمزيد التوغل زمنيا في معركة «عضّ الأصابع» بين قيادة الاتحاد والسلطة بكل مكوناتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

يمكن القياس عليها وتعميمها على سائر البلاد : خطة وطنية لضمان التزود بالماء الصالح للشرب

مع اشتداد موجة الحرّ، ومع الانطلاق الفعلي في الاستغلال المكثّف للماء، يبدو أن لا مناص امام…