لاشك أن  الصورة التي تناقلتها بعض وسائل الإعلام حول ما جدّ في دار المحامي في مناسبتين مؤخرا وما حفّ بها من  «غضب المحامين» وصدور بيان توضيحي من قبل وزارة الداخلية ليست الصورة اللائقة التي نريدها لبلادنا،  وكنا في غنى عنها وعن تبعاتها.

ومعلوم أن هناك انقساما لدى  الرأي العام بشأن هذه  الواقعة وخلفياتها وأسبابها المباشرة وغير المباشرة :  بين داع إلى تطبيق القانون بصرامة ضد كل من تسوّل له نفسه التطاول على الدولة ورمزيتها وعلى أجهزتها مهما كانت صفته أو مهنته أو القطاع الذي ينتمي إليه  وبين من يدعو إلى التريث ومراعاة خصوصية مهنة المحاماة.

  وبغض الطرف عن التفاصيل والحيثيات التي تابعناها والتي اختلف الرواة في تقديمها كما تضاربت الآراء بشأنها ،  فإن ما يهمّنا في هذه الورقة حقا هو  محاولة طرح أسئلة نجتهد في أن تكون عميقة بخصوص الشأن الجاري والتوترات الحاصلة مؤخرا بين السلطة والمحامين .والتي قطعا تندرج في إطار صراع سياسي لن يخرج منه أحد منتصرا. فوحدها الحكمة كفيلة بإعادة الأمور إلى نصابها،لاسيما وأن بلادنا تحتاج إلى الهدوء وإعمال العقل في مقاربة  المشاكل المطروحة وما أكثرها في هذه المرحلة.

ولعل الأسئلة المركزية التي تتبادر إلى الذهن على خلفية هذه الواقعة تتمحور حول فكرة أساسية واحدة وهي :

من المستفيد مما حدث وممّا قد يحدث ؟

وهنا قطعا ستكون الإجابة سلبية فلا أحد سيخرج منتصرا من هذه الصراعات التي تضرّ تونس في المقام الأول ولن تفيد المحاماة في شيء.

والأكيد أن مداهمة دار المحامي من قبل القوات الأمنية كانت القشة التي قصمت ظهر البعير فالأكيد أن هناك مَن مِن مصلحته  استغلال هذه الواقعة التي أكدت الجهات الرسمية أنها تنفيذ للقانون ضد محامين بعينهم لدواعي لا صلة لها من بعيد أو قريب بممارسة المهنة وبالتالي لا يمكن اعتبار هذه الواقعة  استهدافا للمحاماة.

فمعلوم أن هناك أطرافا سياسية تجتهد لتوظيف كل توتر أو احتقان في أي مجال من أجل إذكاء نار الصراع مع مسار 25 جويلية الذي تناصبه العداء وتخوض معه معركة حامية الوطيس منذ خروج تيار سياسي بعينه وبعض مشتقاته من السلطة.

وهنا علينا التأكيد على أن المحاماة التونسية التي لعبت أدوارا  مهمة في مراحل فاصلة من تاريخ تونس  لا يمكن أن تكون مطية لأي فصيل سياسي يمكن أن يوظفها في معركته السياسية الخاصة.

فمعلوم أننا في سنة انتخابية ومن كانت له خصومة مع السلطة الحالية ومن يروم التغيير فعليه أن يعرض نفسه على الشعب التونسي ليقول بشأنه الكلمة الفصل في الاستحقاق القادم وسيكون الصندوق هو الفيصل بين التونسيين وسيحدد من يرونه أهلا لثقتهم ويمنحونها له عن طيب خاطر دون ضغط أو إكراه.

لكن هذا يجعلنا أيضا ننتبه إلى معطى موضوعي مهم وهو ان الدولة لا يجب أن تقع في فخ الاستفزاز من قبل هذا الطرف أو ذاك  وأن تزن الأمور بدقة دون أن تتخلى عن قوتها المشروعة لتطبيق القانون على الجميع على قدم المساواة.

كما أن قفز بعض وسائل الإعلام الأجنبية على الحدث وتوظيفه للإساءة لتونس ليس من مصلحة أحد.

و لعل الهدف اليوم ينبغي أن يكون إعادة الأمور إلى نصابها وهو أكثر من حتمي وفتح قنوات الحوار بين عمادة المحامين في شخص العميد حاتم المزيو وبين السلطة التنفيذية  وتجاوز أي خلاف.

فالانفتاح والحوار هو حجر الزاوية في هذه المسألة وبقدر التعجيل به بقدر ما تتضح الرؤية وتهدأ الأمور لنذهب جميعا إلى الانتخابات الرئاسية في ظروف طيبة خالية من التوترات.

والثابت أننا نحتاج أن نعمل جميعا من أجل تخفيف منسوب الكراهية والعنف الذي تفشى في بلادنا بشكل كبير وخطير. كما أن الخلافات السياسية لا ينبغي أن تكون بأي حال من الأحوال  تبريرا   لنشر ثقافة الحقد والشماتة أو للتجاوز في حق الرموز الوطنية المشتركة أو التمرّد على القانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

على هامش الاحتفاء بالبروفيسور الباوندي : كيف نستثمر في البحث العلمي؟

حل بيننا البروفيسور منجي الباوندي صاحب جائزة نوبل للكيمياء  ضيفا على تونس بلده الأصلي وتم …