2024-04-21

تحتضنه بلادنا غدا: انتظارات كبرى من الاجتماع التشاوري الأوّل لقادة تونس والجزائر وليبيا

تنفيذا للقرار الذي تم اتخاذه في اللقاء المغاربي الثلاثي قبل شهرين ونيف في العاصمة الجزائرية، وبدعوة من رئيس الجمهورية قيس سعيّد، يؤدي رئيس الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية عبد المجيد تبون ورئيس المجلس الرئاسي بدولة ليبيا محمد يونس المنفي زيارة إلى تونس يوم غد الاثنين 22 أفريل 2024، للمشاركة في الاجتماع التشاوري الأوّل بين قادة هذه البلدان الشقيقة الثلاثة.

وكما هو معلوم فإن هذا المسار المغاربي الجديد انطلق على هامش القمة السابعة لمنتدى البلدان المصدرة للغاز التي انعقدت في الجزائر في 2 فيفري الماضي وقد تدارس الرؤساء آنذاك الأوضاع السائدة في المنطقة المغاربية واتفقوا على ضرورة تكثيف الجهود وتوحيدها لمواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية بما يعود على شعوب البلدان الثلاثة بالإيجاب وذلك عبر تنسيق أُطر الشراكة والتعاون، وقرروا عقد لقاء مغاربي ثلاثي دوري، كلّ ثلاثة أشهر.

هذا ولا يختلف اثنان حول أهمية العلاقات البينية بين الأجوار، وخصوصا في ظل الأوضاع الإقليمية والدولية الراهنة والمشكلات المتوارثة للأسف والتي لم يتم تجاوزها على مر العقود فغذّتها الأزمات المستجدة وتراكمت معها الخلافات والخصومات بشكل جعل التمسك بالأطر القديمة ضربا من العبث ومضيعة للوقت للشعوب والأنظمة على حد سواء.

إن كلفة برود العلاقات بين الأجوار باهظة للغاية والاختباء وراء هياكل ومؤسسات عمل مشترك صورية تسلل لها الصدأ وبات وجودها كعدمه عائقا أمام التقدم ونتحدث هنا بوضوح عن اتحاد دول المغرب العربي الذي هو في حالة موت سريري تماما كمجلس التعاون الخليجي او حتى جامعة الدول العربية أطر لم تعد قادرة على إسماع صوتها لشعوبها وللعالم لذلك ربما يرتفع منسوب التفاؤل والانتظار من هذه القمة الثلاثية التي تحتضنها تونس والتي تطرح بدورها جملة من التحديات التي لا يجوز القفز عليها او تجاهلها اذا أردنا بالفعل تجاوز نقائص الماضي.

أول هذه التحديات الحفاظ على دورية الاجتماع بين مسؤولي هذه الدول بانتظام، دون انقطاع، مهما كانت المستجدات والأحداث الآنية، ومهما كانت الأوضاع الداخلية والخارجية التي قد يتذرّع بها هذا البلد أو ذاك للتخلف عن الحضور أو التراجع عن المشروع برمّته.

ثانيا تبدو دولنا الثلاث، تونس والجزائر وليبيا متفاوتة القدرات والثروات سواء منها الطبيعية أو البشرية والعمل الوحدوي يعني في ما يعنيه التضامن والتآزر وبالتالي فان ما تقدمه شقيقة كبرى لشقيقة صغرى أو وسطى على سبيل المثال أو العكس ليس منّة او ذريعة للهيمنة والتأثير في القرار الوطني وحتى الخارجي ولو بشكل غير مباشر .

ثالثا، يجب ان تنجح تونس والجزائر وليبيا في عدم إثارة بقية دول المنطقة التي كانت وما تزال فعليا ضمن المربع المغاربي وهذا معطى جغرافي وتاريخي وحضاري لا يمكن القفز عليه وكل ما في الأمر أن التوافق قد يبدأ ثلاثيا ويجب أن ينتهي رباعيا وخماسيا وأكثر من ذلك على درب التكتل والعمل المشترك فالمشهد الدولي لم يعد مشهد دول منغلقة وإنما دول قوية في إطار تحالفات ومحاور على أساس المصلحة المشتركة.

رابعا، ونقولها بصراحة ومسؤولية، ان ما يربط بين الشعوب وبين مواطني دولنا الثلاث هو اكبر مما يربط بين مسؤوليها، لذلك يتوجب في المستقبل ودرءا للتضييقات التي قد يتعرض لها مواطن مغاربي هنا او هناك، لا مناص من التوافق والاتفاق والالتزام قولا وفعلا بأن حرية التنقل والعمل والتجارة وغيرها من الحقوق مضمونة ومكفولة ومؤمّنة ومحمية لكافة افراد شعوبنا وعلينا أن نأخذ هنا بعين الاعتبار أن الهواجس الأمنية لا يمكن أن تتحول إلى فزّاعات وحراب في الجسم المغاربي.

خامسا، إن تشخيص الأوضاع يكاد يكون معلوما لدى شعوب الدول الثلاث وحكامها وبالتالي لا فائدة في إضاعة الوقت في الخطب والوعود والإعلان عن المبادرات التي قد لا ترى النور وتركن أوراقها وتفاصيلها في أدراج المكاتب، بل نحتاج إلى ما قلّ ودلّ من المشاريع المشتركة الواقعية القابلة للتنفيذ في اقرب الآجال وفق خارطة طريق واضحة وجدول زمني عملي يأخذ بعين الاعتبار القدرات الخاصة والعامة، فالإفراط في الأحلام والشعارات بان بالكاشف انه مردود على أصحابه وما نزال الى اليوم ننتظر تلك العملة المغاربية الموحدة والقطار المغاربي والجامعة المغاربية والمنطقة المغاربية الحرة وغيرها من مجالات العمل المشترك..

إننا ببساطة في انتظار مشاريع بسيطة بمقدورها تحويل حياة المواطنين في البلدان الثلاث نحو الأفضل في اقرب الآجال.

أخيرا، ندرك جيدا أننا في هذه القرية الكونية بحاجة الى التفاعل مع محيطنا وبالتالي من الضروري التمسك بالثوابت والعمل على تعزيز المشترك في هذا المجال والبداية بطبيعة الحال في توحيد الموقف الداعم والفعّال مع الشعب الفلسطيني في هذا الظرف الدقيق الذي تتواصل فيه جريمة الإبادة التي يمارسها الكيان الصهيوني وفي مستوى ثان الانفتاح في ترتيب العلاقة مع دول جنوب المتوسط والجرأة في صياغة موقف مشترك بخصوص العلاقة مع الدول في شمال المتوسط.

ان المعضلة الكبيرة اليوم بين ضفتي المتوسط هي الهجرة غير النظامية وهذا ملف تمارس من خلاله الجارة ايطاليا والجيران في عموم أوروبا كل أشكال الابتزاز والمقايضة وقد نجح الحكام الأوروبيون في توحيد جهودهم ومقارباتهم ومواقفهم في كيفية التعامل معنا مثلما اكتشفنا ذلك عند زيارة رئيسة الحكومة الايطالية الى بلادنا فهي في نهاية المطاف تتعامل معنا ضمن المربع الذي رسمه الاتحاد الاوروبي وبدورنا، قدرنا ان نفكر ونعمل معا مرحليا على الأقل ضمن هذا الثلاثي من اجل ان يكون هناك تنسيق ومواقف قوية في علاقة بملف الهجرة حتى لا يكون حقا يراد به الباطل كما هو الحال الآن فالهجرة هي من النتائج المباشرة لسياسة الدول التي كانت تستعمرنا مباشرة في وقت من الأوقات ورغم استقلالنا ما تزال تسعى جاهدة للتحكم في مصائرنا.

هي فرصة لن نقول انها تاريخية حتى لا نسقط في فخ ما قيل عبثا في المبادرات والقمم السابقة لكننا سننتظر لنقول ذلك عندما نرى مخرجات هذه القمة الثلاثية وخصوصا عندما نبدأ في اكتشاف أن ما تم الاتفاق بشأنه بصدد الانجاز في الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

رئيس الجمهورية كثّف دعواته لتعزيز عملها: هل تنجح الحكومة في تجاوز معضلات التنفيذ ؟

مرّة أخرى يجدّد رئيس الجمهورية قيس سعيد لدى استقباله رئيس الحكومة أحمد الحشاني بقصر قرطاج …