2024-04-06

حتى نكفّ الأذى عن مؤسسات التربية والتعليم ..من أين نبدأ..؟

عندما تعرف قلاع المعرفة _ المؤسسات التربوية _حوادث متكررة للعنف بمختلف تمظهراته تكون في كل حادثة محطة لطرح سيل من التساؤلات أهمها المتعلقة بالمقاربات المطروحة للتصدي للظاهرة ومحدوديتها في العلاج ولابد من إعادة البحث في مكامن الخلل وتشخيص الظاهرة واتخاذ التدابير العلاجية والحينية …فالعلاج أمر لايحتمل التأجيل والإصلاح مسؤولية مشتركة لكل المتدخلين في المنظومة التربوية…حتى لاتكون قلاع المعرفة مُستباحة..

حيث يقول في هذا السياق رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم «تعتبر ظاهرة انتشار العنف في المؤسسات التربوية من الظواهر المعقدة التي تستلزم فهمًا عميقًا لأسبابها وتطبيقا لآليات فعالة كفيلة بمعالجتها بصورة جذريّة». وتتأثر هذه الظاهرة بعدة عوامل، منها الخارجيّة على غرار طبيعة المجتمع الذي تنتمي إليه المؤسسة التربوية وما يخترقه من توتّرات، ومنها الدّاخليّة التي تهمّ واقع هذه المؤسّسة ومدى قدرتها على توفير بيئة حاضنة ودّيّة ومستقرّة. ومن المهم جدّا في هذا السّياق أن نأخذ في الاعتبار ما طغى على المشهد الاجتماعي والتّربويّ في بلادنا، وخاصة بعد جانفي 2011، من توتر وعدم استقرار، علاوة على ضعف الوازع الفردي وانتشار السلوكات العنيفة في الحياة اليومية والواقع الافتراضي على حدّ سواء.. كلّ ذلك أوجد بيئة مواتية لانتشار العنف بمختلف أشكاله داخل المؤسسات التربوية وألقى بظلاله على جودة العلاقات داخلها.

ويضيف محدثنا أنه لا بدّ في هذا السّياق من النّظر في دور شبكات التّواصل الاجتماعي في تغذية ظاهرة العنف المدرسي، لا فقط بما تنشره على صفحاتها من سلوكات عنيفة تستغلّ غياب آليّات الضّبط وتفعل فعلها في لا وعي الأفراد، ولكن أيضا بما توفّره من تغطية بالغة الكثافة لبعض أحداث العنف التي تشهدها المؤسّسات التّعليميّة: فهي تقوم بتحويل هذه الأحداث إلى مادة إعلاميّة تستقطب الملايين من المتابعين، وتفسح لهم المجال للخوض فيها كيفما اتّفق، مع ما يعنيه ذلك من تناول سطحيّ لا يخرج عن منطق الإثارة والجدل العقيم والتّراشق بالتّهم، فتكون النّتيجة تعميقا للفجوة بين الأطراف المعنيّة بالمشهد التّربوي، وإضعافا للمساعي الرّامية إلى إيجاد حلول منظوميّة ومستدامة لهذه الظّاهرة المقلقة.

ويؤكد قاسم إنّ ما حدث مؤخّرا بجهة السبيخة من ولاية القيروان من تهجّم مرفوض ومدان لوليّة على مدرّسة أمام تلاميذها يقدّم مثالا جيّدا على الدّور الخطير لشبكات التّواصل الاجتماعيّ في إيجاد أرضيّة حاضنة للسّلوكات العنيفة: فمشاركة تلك المشاهد المؤسفة على نطاق بالغ الاتّساع قد أساء من ناحية إلى صورة المدرّس ومنزلته في المجتمع وإلى هيبة المؤسّسة التّربويّة ومنظومة التّربية والتّعليم ككلّ، وفسح المجال من ناحية أخرى لردود فعل متشنّجة اكتفى بعضها بالدّعوة إلى مقاربات زجرية سطحية لا تحلّ شيئا من المسألة، ووصل الأمر ببعضها الآخر إلى التّهجّم على الأولياء في تعميم مستهجن وغير مقبول.

ويعتبر محدثنا انّ الانضباط شرط وجودٍ للفعل التّربوي حيث ينتفي هذا الفعل بغيابه، بل إنّه شرط لوجود المجتمعات الرّاقية المتوثّبة للمستقبل، وإنّه لمن المفارقات أن يكون الانضباط مقترنا في تمثّلات شرائح واسعة من مجتمعنا بالشّدّة والتّسلّط والقمع، وهو ما يفسّر حالات الانفلات التي نلاحظها كلّما غاب الوازع أو ساد الشّعور بإمكانيّة الإفلات من المساءلة، لذلك فإنّنا ما فتئنا ندعو في الجمعيّة التّونسيّة لجودة التّعليم منذ سنوات إلى إعادة تأسيس العلاقات بين الأطراف المعنيّة بالشّأن التّربويّ على أساس تعاقديّ ملزم للجميع، يكون أساسه ميثاق تربويّ وطنيّ جامع، ومدوّنة سلوك للأسرة التّربويّة الموسّعة، مع توفير الأطر اللاّزمة للتّواصل والتّفاعل بين مختلف هذه الأطراف ترسيخا لثقافة الحوار والتّفاعل في إطار من الشّفافيّة والالتزام، كما تقدّمنا لسلطة الإشراف في أكثر من مناسبة بمشروع مفصّل للتّربية الأسريّة يساهم في توعية الأولياء وفي ترسيخ دورهم الإيجابيّ ضمن المشهد التّربويّ، وعلى صعيد آخر فإنّ الحاجة متأكّدة وملحّة لإدماج مهارات الحياة والمواطنة ضمن مسارات إعداد المتعلّمين، ولكن على نحو فعال ومؤثّر يحقّق الأهداف الوطنيّة وينأى عن الأجندات التي تحاول بعض الأطراف الدّخيلة تمريرها، ونحن نؤكّد مجدّدا أنّ تعافي مدرسة الجمهوريّة ممّا لحقها من عبث واعتداء أمر في المتناول متى وضع الإطار المنظوميّ الذي يحدّد الأدوار ويبني العلاقات على أسس الحوكمة الرّشيدة والجودة الشّاملة.

في السياق ذاته تدين جمعية الأولياء والتلاميذ بشدة اعتداء الولية على معلمة بالمدرسة الابتدائية المنجي سليم بالسبيخة من ولاية القيروان وذلك خلال الأسبوع الحالي والتي يبدو أن أعوان الشرطة تمكنوا من إيقافها إثر تقدم المربّين بالمؤسسة التربوية بقضية في الغرض في انتظار مراجعة النيابة العمومية واتخاذ الاجراءات القانونية اللازمة في حقها.

حيث يقول رضا الزهروني رئيس الجمعية نرفض رفضا قاطعا كل مظاهر العنف الذي تتم ممارسته داخل المؤسسات التربوية وفي محيطها وخاصة منه الموجه ضد الاطارات التربوية بمختلف اصنافها وضد التلاميذ وكذلك ضد ممتلكات المدرسة والذي لا نجد له مبررا مهما كان السبب وأي كانا المصدر وايا كانت الضحية.

ويؤكد محدثنا ان هذه الظاهرة والآفة والتي نطلق عليها اسم العنف المدرسي تتطور من سنة إلى سنة وتزداد خطورة من سنة إلى سنة حتى لاحظنا وجود حالات في السابق وصلت الى ضرب مدرس من طرف تلميذ بآلة حادة وخطيرة (الساطور) وكذلك عمليات انتحار ضمن صفوف التلاميذ والتي لا يجب ان نغض الطرف عنها. وهناك عنف آخر مسكوت عنه والذي يمارسه أبنائنا وبناتها داخل العائلة والموجه ضد افرادها يمكن ان تكون الأم أو الأب او الأخ أو الأخت. والأخطر من هذه الآفة هو عدم اهتدائنا كأطراف مسؤولة على إيجاد حل جذري لهه الظاهرة.

فأسباب العنف متعدّدة اجتماعية وعائلية وثقافية وتنظيمية وتربوية وقيمية واخلاقية لكن اهمها يتمثل في غياب العمل الميداني في مجال دراسة العنف من خلال العمل الإحصائي والاستقصائي لتحديد مواطن تفشي العنف في الزمان والمكان وأسبابه الفعلية والآليات والحلول الناجعة لمعالجته وذلك في إطار إستراتيجية وطنية مدروسة. فالعنف تختلف مظاهره ونسب تواتره ودرجة خطورته ومن جهة إلى أخرى ومن مؤسسة تربوية إلى أخرى ومن فئة عمرية واجتماعية إلى أخرى.

ويعتبر الزهروني من جهة أخرى أنّ تدني وضعية المدرسة من خلال تراجع أدائها إلى مستويات خطيرة يمثل إحدى الأسباب التي أدت إلى تفاقم حالات العنف المدرسي ببلادنا خلال السنوات الأخيرة والصادرة خاصة من فئة المراهقين المحبطين وذلك من ناحية نسبة التواتر والخطورة. في حين أنّ إصلاح المنظومة التربوية يمثل اليوم شرطا مستعجلا وضروريا من ضمن الشروط الأساسية للحد من هذه الظاهرة بصفة فعالة.

وبقدر ما تؤكّد الجمعية رفضها المطلق للعنف المدرسي بكل مظاهره، فأنها تجدد تأكيدها أيضا على أنها تحمّل الأولياء والإطار التربوي المسؤولية في ما يحصل وفي مقدمتها الدولة بسبب عدم إرساء سياسات جدية وخطط واضحة المعالم والأهداف والمسؤوليات من خلال مقاربة عملية وميدانية وتشاركية متواصلة في الزمان والمكان للتوقي من العنف المدرسي ومقاومته تدريجيا. فالاكتفاء بالتعامل مع هذه الظاهرة إعلاميا أو من خلال التنديد أو توجيه الاتهامات عند كل وقوع حادثة خطيرة أو استغلالها للضغط من طرف بعينه لتمرير رؤاه الفردية أو لفرض شروط بعينها لا يمكن أن يكون حلا في كل الحالات.

ومن الضروري الوعي بان الوقاية من العنف ومعالجته يجب أن تكون من ضمن المهام التربوية والأساسية للمدرسة. وضمان أمن التلاميذ وكل أفراد المؤسسة التربوية من إداريين ومدرسين يتطلب بالأساس تمكينهم من الآليات الضرورية للتعامل مع القيم بمسؤولية وفرض الانضباط والوعي بالتضامن والصداقة وكرامة الآخر والحوار والإنصات والاحترام المتبادل.

وبالتوازي هناك جملة من التدابير العلاجية والحينية والتي يمكن برمجتها والانطلاق في تنفيذها في أفضل الآجال على غرار: العمل بآليات تعديل السلوك مع مراجعة منظومة التأديب والعقاب على أساس تأكيد التعامل بأساليب معرفية تجاه العنف لتكون لها أبعاد تربوية أكثر من أن تكون زجرية.

وإرساء برامج لتربية التلميذ على القيم ولتعويده على سلوك الانضباط والتحكم في النفس وتعديل المفاهيم والتصورات الخاطئة عند بعضهم بخصوص الحقوق والواجبات.

اضافة إلى إرساء خلايا للإنصات والمتابعة النفسية داخل المؤسسات التي لها قابلية للعنف وترشيد وتعميم استخدام كفاءات التواصل المختصة ( علم النفس وعلم الاجتماع).

ويشير محدثنا الى ان الدروس الخصوصية هي عنوان إضافي من عناوين فشل منظومتنا التربوية ويمكن اعتبارها أيضا سببا من أسباب تفاقم ظاهرة العنف المدرسي بسبب انزلاق نوعية العلاقة التي تربط التلميذ ووليه بالمربي التي أصبحت علاقة حريف بمزود خدمات نتعامل معه على أساسها بالنظر الى قيمة الصفقة التي تربطنا به ومضمونها. فمدرستنا العمومية فقدت ومنذ عديد السنوات قدرتها على ضمان حقَّي مجانية التعليم والعدالة الاجتماعية ولم تعُد بالتالي المصعد الاجتماعي الذي لطالما يفتخر به العديد والعديد من أبناء تونس وبناتها وخاصّة من هم اليوم جالسون على كراسي الحكم. فالنجاح أصبح اليوم يتفاعل بالأساس مع الوضعية الاجتماعية والمادية والثقافية للعائلة وللجهة التي ينتمي إليهما التلميذ ومع ما يقدم عليه الأولياء من استثمار في الدروس الخصوصية أو في المدارس الخاصة.

وقد قدرت المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك رقم معاملات العائلات والتي تمول بها الدروس الخصوصية بحوالي مليار دينار ونصف في السنة حسب الدراسة الميدانية التي تمّ انجازها للغرض وهو رقم يسمحُ بانتداب حوالي 30 ألف مدرس براتب سنوي يتجاوز 30 ألف دينار. وضعية تزيد في تعميق الفوارق لتصل حتى إلى اقصاء نسبة هامة من أطفالنا من حقهم في الدراسة حيث يبلغ عدد الذين لا يلتحقون بمقاعد المدرسة كل سنة حوالي 8 بالمائة من أطفالنا من نفس الفئة العمرية (حوالي 16 الفا) ويعود السبب الأساسي لهذه الظاهرة الى الكلفة الباهظة التي يتطلبها النجاح ببلادنا

والحل وفق محدثنا ليس في استهداف الدروس الخصوصية وفي شن حرب  عليها فهذا سيزيد الأمور تعقيدا وسيتسبب في مزيد تدهور أداء المدرسة التونسية وخاصة في مستوى نتائجها الوطنية بل الواجب مقاومة الجانب اللاأخلاقي منها خاصة من حيث المقايضة والاستغلال والمغالطة. بالتالي فإن الحل الوحيد يتمثل في اعتماد السياسات والاستراتيجيات الضرورية أهدافا وامكانيات ومسؤوليات ومخططات متابعة وإنجازا في الزمان والمكان لتصبح المدرسة العمومية التونسية بالفعل مجانية ومصعدا اجتماعيا حقيقيا يضمن لكل أبناء تونس وبناتها حقهم في التطلع الى مستقبل زاهر وذلك أينما كانوا وبغض النظر عن المستوى الاجتماعي والثقافي والمادي للعائلة. لا كما هو حالنا اليوم فمن ينتمي الى عائلة ميسورة له اكثر امل في النجاح ومن ينتمي الى عائلة معوزة فهو محكوم عليه بالإخفاق والفشل والاستثناء لا يعني قطعا القاعدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

أرقام مخيفة للمنقطعين سنويّا عن التّعلّم : هل تكون الحلول …بحجم الخطر..؟

أكثر من 100 ألف طفل  ينقطعون  سنويا عن التعليم،  مؤشّر مفزع ودلالاته مخيفة  تشي مباشرة بار…