2024-03-30

التونسيون وهم يواجهون جحيم الأسعار إلى آخر  أيام رمضان : «محبطون» بالجملة والتفصيل..!

أيّ ضيق هذا الذي يعيش فيه المواطن التونسي اليوم وأيّ حلول ممكنة للخروج منه ؟ تلك أبرز التساؤلات التي خرجنا بها من هذا الروبورتاح الصحفي لأجواء التسوّق في السوق المركزيّة للخضر والغلال واللحوم والأسماك وسط العاصمة.

هنا داخل أركان السوق حيث كل الوجوه باهتة في حيرة من أمرها ، حيرة البائع المهجور وحيرة المواطن وصدمات لافتات الأسعار . لا شيء يوحي بالحركيّة التجاريّة المعهودة لشهر رمضان غير شِيَمَ الصبر على الغلاء الفاحش وتخلّي المستهلك عن الكثير من شهواته الغذائية في هذا الشهر ، بسبب ارتفاع الأسعار المتزايد والتي تشير آخر أرقام المعهد الوطني للاستهلاك بأنها ارتفعت بـ 13.1 % .

في حدود الساعة الواحدة والنصف بعد زوال أوّل أمس الخميس ، وداخل هذه السوق لا صوت يعلو فوق صوت الصمت والحال أن الضجيج المألوف في أيام رمضان لا يخفى عن روّاده . ثمّة ما يشبه الركود  المعلن وكأنه من فُرض على التاجر توفير سلعه وعلى المواطن الاكتفاء بالفرجة دون سواها بما أن الأسعار لا تطاق بل ولا يمكن القبول بالتطبيع معها حتى وإن كانت بعض المنتجات المعروضة في غير فصلها المعهود .

التذمّر من الغلاء وتبادل النقاشات بين المارة والتجار كلها تصبّ في جدول لا ماء فيه كما يقال بما أن عملية البيع والشراء أصبحت شبه منعدمة بسبب ضعف الحيلة وقلّة الزاد المادّي . فالناس هنا قلّ أن تكتشف في وجوههم ما يشير إلى علامات الارتياح عكس ذلك بالضبط نقرأ فيهم شعور التذمّر واليأس والإحباط أولنقل الإحساس بالجوع وفقدان الشهيّة لنيل أبسط ما تنتجه « مطمورة روما» سابقا ، إذ كيف لمواطن أن يتقبل فكرة أسعار الفلفل والطماطم تلك المنتجات الرئيسية في طبق كل أسرة وما بلغته اليوم من شطط (سعر الفلفل تجاوز الخمسة دنانير) . هذا دون الحديث عن أسعار اللحوم الحمراء التي بلغت عتبة 50 دينارا أي تقريبا  ما يعادل أجرة خمسة أيام عمل لشخص يتقاضى الأجر الأدنى المضمون في تونس .

فشل في توفير الغذاء

كل الأدلّة الواقعيّة التي نعيشها تثبت أنه ثمة إخلالات كثيرة في إدارة ملف غذاء التونسيين وأنّهم مهددون بالجوع بدرجة لم تشهدها البلاد حتى في تلك الأزمة الغذائية التي عاشها العالم سنتي 2007 و2008 ومارافقها من ارتفاع الأسعار وعجز عديد البلدان النامية عن توفير قوت شعبها اليومي . إن الوفرة المغشوشة في كميات الإنتاج وتسارع نسق الأسعار يشير بالضرورة إلى تلاعب الأيادي الخفيّة بالخبز اليومي للمواطن ما جعله عرضة لإبتزاز التجّار وغطرستهم بالرغم من جهود الرقابة الإقتصادية في هذا الخصوص وعلى مستوى التوزيع بالجملة وبالتفصيل، إلا أن الحلقة المفقودة في كل ذلك تبقى مفرغة من محتواها والمتمثلة في غياب إرادة واضحة وناجعة لأسس صحيحة للإنتاج ومعرفة حاجيات السوق وملاءمتها للمقدرة الشرائية التي تجاوزتها أحداث السوق أشواطا طويلة وخلقت فجوة عميقة بين الجيوب الخاوية والأسعار الملتهبة .

يصف شرف الدين النائلي أحد باعة الخضر والغلال بالسوق هذا الوضع باللامعقول تاركا التعليق كما يقول إلى من يقومون على إدارة الفلاحة والتجارة في بلادنا ، إذ يفسر هذا الغلاء بأنه أمر طبيعي لظروف غير طبيعية تمر بها كل قطاعات الإنتاج المتدهورة ومسالك التوزيع غير المنظمة وإلا لما وصل الحال إلى ماهو عليه اليوم ويواصل محدثنا قوله : « بكم تودّون شراء الكيلوغرام من الطماطم الطازجة إذا تحصلتم عليها بسعر 3200 مي من سوق الجملة ؟ كما الشأن بالنسبة للفلفل الذي يباع بـ 4 دنانير بسعر الجملة؟ هنا هل تاجر التفصيل مسؤول على غلاء الأسعار؟ …» ويشير محدثنا إلى أن مشكل الأسعار في تونس وإن كان مرتبطا بعض الشيء بغلاء بعض المنتوجات التي يتم استخدامها في الإنتاج إلا أن مسألة تقويمه والتخفيف من حدته يبقى رهين توفر سياسة واضحة تحمي المواطن وتحافظ على مقدرته الشرائية إما بالتوريد لتعديل توازن السوق أوبضبط سياسات فلاحية توفر الغذاء على مدى متوسط وبعيد .

وفي سياق آخر يقول معتز الحفصاوي صاحب محل لبيع اللحوم الحمراء إن الأسعار التي يتم التداول  اليوم لا يتحمل عواقبها التاجر ولا المستهلك وإنما أجهزة الدولة المعنية بالأمن الغذائي ، تلك الأجهزة التي تسبب على حد قوله في التفريط في قطيع الأبقار بالبيع أو بالذبح وأجبرت الفلاح على العزوف عن تربية الماشية بسبب غلاء اسعار الأعلاف وسوء إدارتها سنوات الجفاف التي مرت بها البلاد .

ويؤكد الحفصاوي أن المستهلك والتاجر غالبا ما يتبادلان نفس الحوارات ونفس الشكوك في اعتبار أن الأسعار خيالية والحال أن واقع السوق هوالذي فرضها وليس هامش الربح ، بما أن عديد التجاّر تخلوا عن تجارتهم التي لم تعد مربحة على حد وصفه وهم بدورهم يتحملون مسؤوليات إعاشة أسرهم وذويهم وأن كل المنتوجات والخدمات لم تعد متطابقة مع أسعارها.

المواطن : تعبنا من الشكوى ولا من مجيب

في وصف لحال السوق يرى يوسف بن عبد القادر « عامل يومي» أنه لا يخفى عن الناس ولا عن الحكومة ما يحصل اليوم من  «حرب معلنة ضد المواطن» سلاحها الأسعار النارية وهنا يقول:«كل شيء أمام أنظاركم من حكومة وإعلام ومراقبة ، أيُعقل أن يبلغ سعر الكيلوغرام من اللحم 50 دينارا في بلد أجره الشهري المضمون أقل من 400 دينار ؟ أيعقل أن يتمسك التجار بهذه الأسعار الخيالية منذ بداية الشهر الكريم، لقد تعودنا وربما أجيال كثيرة تعرف ذلك أن أسعار اللحوم والخضر تعرف ارتفاعا غير معهود، خلال الأيام الأولى فحسب وذلك يعود إلى لهفة المستهلك، ولكن ما يلفت الانتباه لرمضان هذا العام أن هناك إصرارا وشيئا من العناد منهم حتى لا يتركوا متنفسا للمستهلك والحال أننا ندخل الأسبوع الثالث لهذا الشهر والأسعار تأبى النزول …

وبدوره تحدث إلينا حسين الشامخي «موظف» مفسرا حالة «الطغيان التجاري» كما يصفها بأنها وريثة ممارسات لا ترتقي إلى مبادئ وروح هذا الشهر الفضيل، ومهما يكن من أمر فإن اللوم يمكن توجيهه للدولة كذات معنوية مسؤولة عن هذا الخراب المادي الذي يعيشه المواطن بذهول وسط غياب الحلول .

يواصل الشامخي حديثه معتبرا «أنه فات الكثير من الوقت لإنجاز استشارة أو حوار وطني حول الأمن الغذائي يتم من خلاله التباحث بشأن الحلول الفلاحية والإنتاجية الممكنة حتى لا يبقى المواطن رهينة لسياسات مرتجلة منذ سنة 2011 قائمة على الترقيع والتوريد في أقصى الحالات وبقيت مسالك الإنتاج والتوزيع أداة لتغول بارونات التوزيع والتحكم في الأسعار دون سواهم».

ويشير في آن واحد إلى أن التعلل بظاهرة اللهفة لم يعد ينطلي على أيّ كان ، إذ كيف سيلهث المستهلك وراء شراء اللحوم والغلال وحتى الخضر والحال أن أسعارها لا تشجع على التزود اليومي بها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لوّحوا بمقاطعة الدروس والامتحانات: المعلّمون النوّاب متمسّكون  بالانتداب

ما يزال ملف المعلمين النواب يراوح مكانه بين أروقة وزارتي التربية والمالية ورئاسة الحكومة إ…