2024-03-20

تونس تحيي اليوم الذكرى الـ68 لعيد الاستقلال: ..وتستمرّ «معركة التحرير»..!

يحيي التونسيون اليوم 20 مارس 2024 الذكرى الـ68 لعيد الاستقلال في ظل أوضاع داخلية وخارجية أقلّ ما يقال فيها أنها غير جيّدة في مجملها، فمعاني الاستقلال ودلالته تواجه تحديات ومخاطر جاثمة وأخرى قادمة في ظل محدودية كي لا نقول غياب البدائل والحلول الكبرى.

داخليا، ها نحن بعد زهاء سبعة عقود من الاستقلال مرتهنون في أمننا الغذائي للخارج، نشتري أغلب المواد الأساسية من الأسواق العالمية بشروط مجحفة ازدادت قسوتها مع قلة ذات اليد واضطرار منظومات الحكم المتعاقبة بعد ملحمة 14 جانفي 2011 غير المكتملة للتعويل على التداين بشكل مكثف وخطير وبشروط مجحفة لتعبئة موارد ميزانية الدولة المنهكة.

وانعكس ذلك على المستوى المعيشي للتونسيين، فاهترأت القدرة الشرائية وعرفت الفضاءات التجارية على سبيل المثال صورا محزنة ومخجلة للطوابير وللتدافع بين المواطنين للحصول على شيء من السكر أو الزيت أو الحليب أو الدقيق أو غيرها من المواد الأساسية التي أصبحت نادرة.

خارجيا، ازدادت الهوة بين الأغنياء والفقراء، وساهمت موازين القوى الدولية المختلة لصالح الغرب بقيادة الإدارة الأمريكية في تأبيد أزمات شعوب الدول التي تشبهنا.

كما فاقمت الحرب المستمرة بين روسيا والحلف الأطلسي في أوكرانيا في تعقيد الأوضاع، ومع اندلاع ملحمة طوفان الأقصى ازدادت الصعوبات وظهر بالكاشف أن المقايضة باتت مكشوفة وأصبحت المساعدات والهبات والقروض والاستثمارات مرتبطة بالموقف من طرفي الصراع في الشرق الأوسط، ومن لم يطبّع مع الكيان الصهيوني وانتصر للحق الفلسطيني، عليه دفع الثمن وتحمّل المسؤولية…

إن ثمن الاستقلال باهظ سواء أثناء النضال للوصول إليه أو من أجل الحفاظ عليه، ومثلما قدم الشعب التونسي التضحيات للوصول الى لحظة 20 مارس ـ بقطع النظر عن الموقف من الحيثيات والتفاصيل – تعادل التضحيات التي قدمتها أجيال وأجيال كثيرة كي تستكمل الدولة التونسية سيادتها وتنفرد بتدبير شؤونها الداخلية والخارجية بنفسها دون الخضوع لرقابة أي دولة أخرى.

ولسنا نأتي بالجديد حين نذكّر بأن الاستقلال يعني الكثير للمواطن التونسي – مهما يُقال- فهو سبيله الدائم للتخلّص من التبعية، وفي المقابل تملّك القدرة على اتخاذ القرارات بناء على القناعات والمبادئ الشخصية التي تهدف إلى تحقيق الطموحات في التحرّر والانعتاق.

أما بالنسبة للدولة فالاستقلال كما أسلفنا يعني السيادة الكاملة على الأراضي والتفرّد بالقرار وإدارة الشؤون الداخلية والسياسة الخارجية وفق الآليات والخيارات الوطنية فحسب، وهذا لا يعني الانغلاق وإنما الندية والشراكة التي تضمن تحقيق المصلحة المشتركة.

إن معنى الاستقلال في المحصّلة مرتبط بالكرامة وعزّة النفس والحرية وهو مرتبط بمعادلة عسيرة بقدر وضوحها ويسرها وهي تقاطع الغايات الفردية والجماعية، فلا استقلال لدولة لا ينعم مواطنوها بالكرامة ولا يتمتّعون بحقوقهم وحرياتهم ولا يشاركون بالتالي في إدارة شأنهم العام الأمر الذي يضرب في الصميم مواطنتهم فيضعف بالتالي دولتهم ويهدّد استقلالها وسيادتها، وهذا خط أحمر تتمسك به ضمائر حية كثيرة على هذه الأرض التي عليها ما يستحق الحياة.

إنّ معركة الاستقلال مستمرة، والتونسيون مطالبون باليقظة والفعل من أجل الحفاظ على استقلال دولتهم  وهو ما يعني مواصلة المعركة ضد الهيمنة والتدخلات الخارجية المستمرة وضد خيارات الدول ـ صديقة كانت أو شقيقة – وكذلك المؤسسات المالية التي تواصل نفوذها وهو ما يعني أيضا إلغاء ومراجعة الاتفاقيات اللامتكافئة التي لا تخدم مصالح تونس وشعبها.

ولا يمكن ونحن نحتفي بعيد الاستقلال تجاهل مسألة التدخل الخارجي بأشكال ومسوغات مختلفة كـ«المساعدة الإنسانية» و«دعم الديمقراطية» و«الدفاع عن الحريات» في الوقت الذي تُنتهك فيه الحقوق وتُداس الديمقراطية في البلدان التي اعتادت تقديم الدروس وها هي ملحمة طوفان الأقصى والعدوان الصهيوني على غزة وعموم فلسطين يسقط ما بقي من أوراق التوت عن هذه الديمقراطيات العريقة ويظهر نفاقها.

وهنا، لا يعني موقفنا من الخارج التقليل من التحديات الداخلية وضرورة وجود جبهة داخلية قوية صلبة تنكسر أمامها مخططات المتربصين باستقلالنا وسيادتنا لذلك نحن بحاجة إلى السلم الأهلي والى الحوار الاجتماعي وإلى صياغة البدائل الاقتصادية التي من شأنها تغيير واقع البلاد والعباد نحو الأفضل وخلق الثروة الحقيقية مع ضرورة تنقية الحياة السياسية من الكثير من الشوائب والسلبيات كي لا نقول أيضا العفن الذي حلّ بها وتسبب في تعثّر التجربة الديمقراطية.   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مع انطلاقة السباق الرئاسي : مؤسّسات سبر الآراء وطاحونة الشيء المعتاد..!

اتضحت الرؤية نسبيا في المشهد التونسي بإعلان أكثر من طرف عن وجود استحقاق انتخابي رئاسي خريف…