2024-03-08

تونس تحتفل باليوم العالمي للمرأة : ترسانة القوانين لا تعكس هشاشة الواقع..!

تُحيي تونس اليوم كسائر الدول اليوم العالمي للمرأة الموافق لـ8 مارس من كل سنة، والذي ينتظم في هذه السنة  تحت عنوان «الاستثمار في المرأة: تسريع التقدم» لإبراز أهمية تعزيز الإدماج الاقتصادي للنساء والفتيات.

ورغم ما تمّ تحقيقه من مكاسب وإنجازات لفائدة نساء تونس وفتياتها الا ان متطلبات وصعوبات اللحظة الاقتصادية الراهنة ساهمت في تقهقر الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للعديد من النساء والفتيات اللاتي أصبحن يعانين من الهشاشة ومن تفاقم العنف المسلط عليهن ومن تراجع حقوقهن في مختلف المجالات.

وبهذه المناسبة تحدثت «الصحافة اليوم» إلى ثلة من النساء الفاعلات في الحياة  العامة والناشطات  في المجتمع المدني لتقديم شهاداتهن حول وضعية المرأة التونسية وأهم مقترحاتهن للنهوض بها حيث اكدت السيدة جنين التليلي ناشطة نسوية بجمعية «تقاطع للحقوق والحريات» أن الجمعية اصدرت بهذه المناسبة العالمية  لحقوق النساء (نسويات) تقريرا بعنوان «السجن والابتزاز والتهديد ثمن مشاركة النساء في الحياة العامة» وهو عصارة للعديد من النقائص والاخلالات التي لاحظتها بخصوص النساء ومن أبرزها حالة  العزوف الكبير من  نساء تونس في المشاركة في الفضاء العام والحياة العامة في مجال السياسة والإعلام والحقوق والمحاماة مشيرة إلى رصد الجمعية للعديد من الانتهاكات التي  تعرضت لها النساء  إضافة إلى  السب والشتم الذي تتعرض له النساء على فضاء التواصل الاجتماعي وتضيف أن كل هذه الممارسات أدت إلى عزوف النساء عن المشاركة في الحياة العامة واشتداد الخوف لديهن  من الدخول تحت سقف هذه المشاكل والمخاطر والتشويه وهو  ما اثر حسب قولها  على مشاركتهن في الحياة العامة..

وأكدت السيدة جنين بأن  جمعية تقاطع للحقوق والحريات دعت  في اكثر من مرة ودقت ناموس الخطر خاصة في ما يتعلق بالمرسوم عدد 54  لذلك اوصت الجمعية بتفعيل مبدإ الحماية في الفصل 58 لسنة 2017 كما دعت ايضا الدولة الى ضرورة رصد ميزانية لحماية النساء خاصة بعد رصد العديد من حالات التقتيل  للنساء (في 2023 أكثر من 25 حالة وفي 2024 رصدنا أكثر من ستة حالات تقتيل) مشيرة إلى أن  كل هذه الانتهاكات أثرت  على توجه النساء للمشاركة في الحياة العامة وتقول ايضا محدثتنا بان الجمعية تطالب بارساء وحدة أمنية لمكافحة الجرائم الإلكترونية ورصد ميزانية لذلك خاصة وان  النساء أصبحن معرضات بشكل كبير للتشويه على مواقع التواصل الاجتماعي.

ومن جانبها أكدت السيدة نجاة العرعاري مختصة في علم الاجتماع بان ترسانة القوانين التي وضعتها تونس لم  تنجح في حماية النساء لأنها ظلت قوانين غير مفعلة ولم يتم تطبيقها  ابتداء من القانون عدد 58.

وتقول السيدة نجاة العرعاري بانه «عندما نتحدث عن الهشاشة فنحن بدرجة أولى  نتحدث عن العنف الاقتصادي والسياسي والعنف الاجتماعي وعن  كل أشكال العنف التي تتعرض لها النساء باعتبارها واحدة من بين  العوامل الأساسية التي تتسبب في هشاشة وضعيات النساء ونذكر تحديدا القانون المنظم للعمل المنزلي  وهو أيضا من ضمن ترسانة القوانين التي لم  يتم تطبيقها».

موضحة بان العمل غير المهيكل في القطاع الفلاحي وفي جميع القطاعات غير المهيكلة  الاخرى كلها دائما ما تكون فيها النساء غير محميات بما معناه انه لا توجد سياسة عمومية تتناسب وتتلاءم مع القانون  قائلة «نحب أو نكره حقوق النساء ليست من الأولويات على طاولة السياسات العمومية ولا على  طاولة القرار السيادي». وتضيف السيدة العرعاري بان  الأزمة الاقتصادية عندما تتفاقم تكون فيها النساء أكثر عرضة للإقصاء وللتهميش  لسبب بسيط هو انهن الوحيدات اللاتي يقبلن بالعمل في هذه القطاعات غير المنظمة  لأن مثل هذه الأعمال لا يقوم بها الرجال وتشير في الاطار بأنّ نسبة نفاذ  الفتيات والنساء خريجات التعليم العالي (اللاتي يمثلن 70 بالمائة) الى سوق الشغل هي نسبة ضئيلة جدا مقارنة بالرجال وهي ثلث في مقابل الثلثين وهو ما يؤكد حسب قولها غياب  التدابير الإيجابية من قبل السلطة لتسهيل عمل النساء ونفاذهن الى الحقوق موضحة ايضا بان الهشاشة   في العمل لها تداعياتها على العديد من الحقوق الأخرى  لأن الحق في العمل هو مفتاح لكل الحقوق الأخرى فهو يضمن لها الحق في الصحة وفي التعليم وفي التنقل وفي الاستقلالية وأيضا يضمن لها  الحق في أن تكون لها مكانة اجتماعية والحق في ان تلعب دورها كمواطن فاعل في وسط المجتمع كما  يضمن لها العمل  الحق في الدفاع على نفسها عندما يسلط عليها العنف وزيادة على  هذا يضمن لها الحق في النفاذ إلى مواقع اخذ القرار.

كما أشارت محدثتنا الى  تفاقم  العنف المسلط على النساء بجميع أشكاله وفي كل الفضاءات نتيجة لوجود العديد من الاشكالات  التقنية والصعوبات التي حالت دون  تنفيذ القانون عدد 58 مشيرة الى ان المشكل ليس في وضع القوانين لحماية المرأة بل في ضرورة  تشخيص الظاهرة وتحليلها حتى يسهل تطبيق هذه القوانين فعليا  داعية أيضا إلى ضرورة   تغيير العقليات والعمل على التمكين الاقتصادي للنساء .

وضعية المرأة في تونس واقع لم يواكب التشريعات

ويؤكد في ذلك المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في تشخيص له لهذا الواقع بأنه في دولة، أدهشت العالم بثورتها وأقرت بالمساواة الفعلية بين الرجل والمرأة ودسترتها بفصول خاصة وأمضت على اتفاقيات ومعاهدات دولية  الا ان المرأة ظلت  الحلقة الأضعف في المجتمع التونسي تطالها كل أشكال الانتهاك والتمييز رغم تطوير المكاسب التشريعية للمرأة وتعزيزها بقوانين جديدة على غرار القانون عدد 58 لسنة 2017 مبينا بان  ما تشهده الوضعية الاقتصادية والاجتماعية للمرأة في تونس قبل وبعد الثورة هو نتاج لخيارات تنموية ولمنوال قام على تهميش النساء اقتصاديا واجتماعيا وجعلهن من الفئات الهشة وغير القادرة على مواجهة الازمات والصمود أمام المتغيرات.

وقد أكدت  السيدة  حياة العطار المنسقة الجهوية للمنتدى في ولاية القيروان المكلفة بملف العاملات الفلاحيات بأن النقل الجماعي العشوائي هو من أبرز المشكلات التي تواجه النساء العاملات في القطاع الفلاحي وهو مشكل قديم ولد من رحم العديد من المشاكل الأخرى التي تعاني منها الكادحات في القطاع الفلاحي على غرار تدني اجورهن مقارنة بالرجال وعدم تمتعهن بالتغطية الاجتماعية وطول ساعات العمل ومع وجود كل هذه المشاكل تقول حياة العطار  مازالت السلط لا تعترف بهذا النوع من العمالة النسائية وتتنكر لحقوق النساء ولا تكترث لاوضاعهن الاجتماعية والاقتصادية الصعبة مؤكدة انه  من نتائج عدم اعتراف  السلط  بهذا النوع من العمالة هو  النقل العشوائي وغير الآمن الذي يتسبب إلى اليوم في خسائر بشرية هامة في صفوف العاملات حيث أكدت العطار بان النساء الفلاحيات يضطررن من أجل لقمة العيش للتنقل إلى مواقع العمل في الضيعات الفلاحية في شاحنات غير آمنة مخصصة لنقل البضائع مما يعرض حياتهن للخطر مشيرة الى ان المنتدى سجل منذ سنة 2015 الى اليوم 74 حادث خلفت وفاة 60 ضحية بين نساء ورجال واطفال  و 850  امرأة جريحة.

وحسب الاحصائيات الرسمية  تساهم المرأة التونسية في الناتج الخام بنسبة ٪68، وتقدر نسبة حضورها في قطاع التربية والتعليم والصحة بـ٪60، وقطاع السياحة بـ٪75، والقطاع العام بـ٪55 إلا أن نسبة كبيرة من النساء يعملن في القطاعات الهشة وغير المهيكلة وفي ظروف سيئة وبأجور متدنية ودون تغطية اجتماعية ولا صحية ويتعرضن لكل اشكال العنف والمخاطر ولعل وضعية العاملات في القطاع الفلاحي وعاملات النسيج وعاملات الحضائر والمعينات المنزليات خير دليل على ذلك… اذ تشكل المرأة يدا عاملة قوية بنسبة تفوق ٪90 في قطاع النسيج والملابس وأكثر من ٪70 في القطاع الفلاحي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

وسط‭ ‬منظومة‭ ‬صحية‭ ‬متدهورة: هل‭ ‬يكون‭ ‬قانون‭ ‬المسؤولية‭ ‬الطبية‭ ‬بداية‭ ‬لتصحيح‭ ‬الأوضاع‭ ..‬؟

تطمح‭ ‬التنسيقية‭ ‬الوطنية‭  ‬لإطارات‭ ‬وأعوان‭ ‬الصحة‭ ‬ومنظوريها‭ ‬من‭ ‬طواقم‭ ‬الصحة‭ ‬…