2024-03-02

بعدما فقد مصداقيته ورغم أنه لم يعد مؤهلا لتقديم الدروس : تونس في مرمى إعلام أوروبي مخادع..!

أعلنت قناة أم 6 الفرنسية الخاصة عن بثّ حلقة من برنامج «تحقيق خاص» عن تونس مساء الأحد 3 مارس 2024، بعنوان «تونس بين الفقر والديكتاتورية : خطوة كبيرة الى الوراء» وكشفت القناة أن الفكرة الرئيسية التي خلص إليها البرنامج هي أنه بعد مرور 13 عاما على ما سمّي الربيع العربي وبعد 10 سنوات من عدم الاستقرار السياسي وموجة الهجمات الإرهابية والأزمة الاقتصادية غير المسبوقة تتجه تونس نحو الديكتاتورية..!
ويتزامن بثّ هذا البرنامج مع جملة من المواد الإعلامية المبثوثة في عدد من المحامل السمعية والبصرية والمكتوبة والالكترونية حول تونس في عدد من الدول التي تهتم ببلادنا دائما وليس في هذا الظرف بالذات، وهي دول تجمعنا بها روابط قوية، روابط الجيرة والهوية أحيانا وروابط المصلحة والتاريخ أحيانا أخرى.
وسيكون من باب إهدار الجهد والوقت واستبلاه الرأي العام المحلي والدولي الحديث عن نوايا أم 6 أو نوايا فرنسا أو نوايا بقية الدول التي تبث وسائل إعلامها مواد «مسمومة» او «دعائية» أيضا بشأننا، فتونس جذّابة بحلوها ومرّها، ولأشقائها وأصدقائها أجنداتهم التي يوظفون في سبيل تحقيقها المال والإعلام ويبدعون في لعبة اللوبيينغ من أجل التأثير ليس في الرأي العام فقط ولكن أيضا في القرار الوطني وأصحابه لأن ما يقودهم هو المصلحة الخاصة قبل المصلحة المشتركة رغم أنف الأعراف والشرائع والقوانين الدولية.
وليكن واضحا بداية أمام الجميع أن الحرية، وحرية الإعلام بشكل خاص، لا جدال فيها لكن الحرية مرتبطة بالمسؤولية ومرتبطة أيضا بحرية الآخرين، واللجوء لاستخدام الإعلام لتصفية الحسابات بين الدول والتأثير في خيارات ومصائر الشعوب سلاح ذو حدّين فهو يفتح الباب أمام العملاء وضعاف النفوس وبعض المغرّر بهم، لكنّه يحرّك أيضا الضمائر ويغذّي الروح الوطنية ويؤدي في النهاية إلى تبني خيار المعاملة بالمثل والانتفاضة والدخول في حروب إعلامية قد تتحول بدورها إلى حروب وفتن من نوع آخر.
ثانيا، إن أم 6 ومن ورائها فرنسا وغيرها من الدول ـ ونتحدث هنا عن الأنظمة ـ ليست في موقع يؤهلها لتقديم الدروس والمواعظ للشعوب وفضح نقائص تجاربهم الديمقراطية الهشة بفعل كثير من العوامل التي من بينها سياسات هذه الدول نفسها، فهذه القناة الخاصة في الدولة المستعمِرة لنا قبل عقود، تغضّ الطرف اليوم عن معاناة المزارعين في فرنسا مثلا، وعن تورّط باريس في الحرب الروسية الأطلسية في أوكرانيا، وعن النازية والفاشية والديكتاتورية والبربرية التي تطبع سلوك الكيان الصهيوني الذي يتفنّن في القتل والإبادة للشعب الفلسطيني في المباشر أمام أنظار العالم.
ولا نخال هنا أن طيفا واسعا من الشعب الفرنسي ومن الشعوب في الدول التي تقدم وسائل إعلامها مادة عن تونس فريسة سهلة للدعاية والتوجيه، ونفس الملاحظة نسوقها في علاقة بالجمهور التونسي الذي ما كان لبعضه أن يسمع بأم 6 وبالبرنامج الموجه ضد بلاده لو لم يقع التداول في الأمر في أعلى مستوى في السلطة بطريقة تدعو للتفاعل النقدي صراحة فالمطالبة بتغيير دليل برنامج قد تكون ممكنة إذا تعلق الأمر بوسيلة إعلام حكومي محلية، أما والأمر متصل بفضائية يعلم كثيرون من يقف وراءها فهذا ضرب من العبث خصوصا عندما يكون الخطاب السياسي متردّدا والرهان على المساعدة المادية كبيرا..
ولأن المشكلة ليست حديثة وقد كابدناها قبل ملحمة 14 جانفي 2011 غير المكتملة ولم يتّعظ النظام حينها من التجربة فأغلق المجال وأدخل الإعلام بيت الطاعة فحصلت الهجرة الكبرى نحو وسائل الإعلام الأجنبية وأصبحت برامج الجزيرة مثلا والمستقلة في وقت من الأوقات والحوار وفرنسا 2 ولوموند ولاكروا ولوسوار وغيرها ملاذ التونسيين لمعرفة أخبار بلادهم، والطريف أن بعض الوقائع والأحداث الوطنية وأخبار الحكم والحاشية، علم بها الجمهور التونسي من خلال الحملات التي كانت تُقاد في بعض الإعلام المحلي وعلى ألسنة بعض المسؤولين تجاه هذا البلد او ذاك أو تلك الوسيلة الإعلامية أو تلك.
ولن نعود هنا الى المقاربات النظرية للتذكير بأن العالم تحول الى قرية وان حجب المعلومات في زمن العولمة أصبح مستحيلا ونفس الأمر بالنسبة إلى موازين القوى في العلاقات الدولية فالإعلام سلاح تستخدمه الأنظمة واللوبيات القوية وما على الدول التي تريد الحفاظ على سلمها الأهلي واستقلال قرارها الوطني سوى التعويل على الذات والتعويل الذاتي هنا في مجال الإعلام يكون برسم سياسة إعلامية واتصالية واضحة تنبذ الحجب والتعتيم وتنفتح على جميع الطاقات التي يزخر بها المجتمع وتسهم في إنقاذ المؤسسات الإعلامية وتعمل على تقويتها حتى تضطلع بدورها في إنارة الرأي العام وفي التثقيف والتوعية والتربية على المواطنة والديمقراطية.
إن الردّ على أم 6 وغيرها إذا كان ضروريا بطبيعة الحال لا يمكن أن يكون على لسان «المخادعين والانتهازيين»، فهو أكبر في تقديرنا من أن توكل لهم هذه المهمّة، وللدولة في نهاية المطاف هيبتها ونواميسها ووسائل التعبير عن إرادتها التي هي إرادة الشعب الذي يستأهل إعلاما حرّا ومستقلا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مجلس الأمن الدولي يصوّت اليوم على عضوية فلسطين : هل تكون «رصاصة الرحمة» على «الشرعية الدولية»..؟

مرة أخرى، قد تكون الأخيرة، يجتمع مجلس الأمن الدولي اليوم الجمعة 19 أفريل 2024 للتصويت على …