مرّت ذكرى إنشاء إتحاد المغرب العربي مرورا عابرا ليس بالنسبة إلى الشعوب المغاربية فقط والتي من الواضح أنها غير معنية بهذا الحدث من الأساس وإنما بالنسبة إلى القادة السياسيين والنخب الفكرية والثقافية التي لم نلتقط لها موقفا يذكر بهذه المناسبة.

حتى أنه لا أحد اكترث بالشغور الموجود في الأمانة العامة لاتحاد المغرب العربي التي مقرها الرباط وأمينها العام المنتهية ولايته السيد الطيب البكوش منذ فترة طويلة نسبيا.بل إن الصفحة الرسمية للأمانة العامة لاتحاد المغرب العربي لم يتم تحيينها منذ أمد بعيد. وهي أيضا مجمدة حتى إشعار آخر على ما يبدو.

وهذا يحيلنا بشكل من الأشكال على أن مؤسسة اتحاد المغرب العربي قد أفرغت من أي معنى وأصبحت تقريبا بلا جدوى خاصة في ظل الأوضاع الراهنة مغاربيا وعربيا ودوليا.

طبعا من المؤسف أن تؤول الحالة إلى ما آلت إليه بعد أن كان البناء المغاربي حلم أجيال كثيرة من أبناء هذه المنطقة الذين آمنوا بإمكانية تأسيس وحدة مغاربية تقوم على التعاون وتبادل المصالح وتكون بمثابة تكتل سياسي واقتصادي وازن يخلق الرفاه والتنمية لهذه الشعوب.

وكان حلم البناء جماعيا شمل الآباء المؤسسين لهذه الدول سواء من رموز الحزب الدستوري في تونس أو جبهة التحرير في الجزائر أو حزب الاستقلال في المغرب الأقصى. كما تضمن الشعوب المتعطشة إلى الوحدة والتضامن في زمن الأحلام وزمن النضالات المشتركة ضد المستعمر.

ومن المفارقات العجيبة أن الأرضية السوسيو ـ ثقافية كانت مهيأة لهذا البناء فوشائج القربى بين هذه الشعوب كبيرة جدا وصلت حتى علاقات القرابة الدموية والمصاهرة خاصة في المناطق الحدودية بين هذه البلدان.

كما أن التجانس على المستوى اللغوي والديني والعرقي يجعل إمكانات الانصهار متيسّرة جدا.

بل إن المجال الجغرافي نفسه هو بمثابة وحدة متكاملة سواء تعلق الأمر بالتواصل بين السلاسل الجبلية في هذه المناطق أو الصحراء أو كذلك السهول وبالتالي يسهل مد السكك الحديدية والتنقل بين الدول الخمسة.

دون أن نغفل عن وحدة التاريخ التي بمقتضاها يتحدد المصير والمستقبل فقد عرفت المنطقة المغاربية المراحل التاريخية ذاتها تقريبا مع اختلافات طفيفة كما أنها عرفت تاريخيا فترات وحدة كما حدث في مرحلة الدولة الموحدية على سبيل المثال.

ولعل هذا ما كان قادحا لتجربة مأسسة الاتحاد المغاربي التي تمت في مراكش يوم 17 فيفري 1989. ولعل تلك الصورة الخالدة التي جالت وكالات أنباء العالم في تلك اللحظة التاريخية كان تعلن ميلاد تكتل سياسي كان يمكن أن يكون له شأن كبير ويحسب له ألف حساب خاصة إذا ما قمنا بالمقارنة مع نظيره الإتحاد الأوروبي الذي انطلق بانتظارات أقل وتوقعات اقتصادية بالأساس ولكنه مضى بعيدا وبقي الاتحاد المغاربي يراوح مكانه.

ودون أن نغرق في تفاصيل التاريخ وتضاريس الجغرافيا يحق  لنا الآن أن نتساءل عن مصير هذا الاتحاد المفرغ من معناه الرمزي ومن دوره السياسي والاقتصادي بعد مرور ثلاثة عقود ونيف على مأسسته خاصة في ظل تحديات كبرى مطروحة على العالم العربي عموما والمنطقة المغاربية على وجه الخصوص.

الواضح  اليوم أن كل بلد منكفئ على ذاته ولا وجود لتعاون متين وصلب لا بشكل ثنائي ولا على المستوى العام لكل البلدان فباستثناء بعض الحراك في العلاقات التونسية الجزائرية لا نجد أثرا يذكر لأي تبادل اقتصادي مفيد.

ويمكن النظر في وضعية البلدان المغاربية حالة بحالة بدءا بليبيا والمحنة التي يعيشها هذا البلد منذ ما يربو عن عقد من الزمن بعد أن تحول إلى أرض لمعركة تديرها لعبة الأمم وتتقاطع فيها مصالح دول عديدة عربية وغربية أيضا. وقد صارت الثروات الطبيعية التي يسبح فيها  هذا البلد لعنة حقيقية تطارد أهله وتمنع استقراره وسلامه. ويبدو الانقسام اليوم حادّا في ليبيا مع تعذر متواصل لإقامة انتخابات تنهي حالة الفوضى في هذا البلد.

والملفت أن البلدان المغاربية وفي مقدمتها تونس لم تنجح في أن تكون فضاء يحتوي الأزمة الليبية ويحتضن الفاعلين فيها مع تباين كبير في المصالح والمواقف بين الأطراف الليبية المتصارعة والمتناقضة على مستوى ولاءاتها لأطراف خارجية. وما فتئت الهوّة تزداد عمقا والتوتر يزداد ضراوة بين المتحكمين في الشرق ونظرائهم في الغرب الليبي مع تمترس قوي لأمراء الحرب المتحكمين في خيوط اللعبة داخليا وخارجيا.

بالنسبة إلى تونس تبدو منشغلة في هذه المرحلة بترتيب الأوضاع الداخلية في ظل أزمة اقتصادية خانقة وفي انتظار استحقاقات سياسية مهمة وهي التي ظلت تعيش ارتباكا على امتداد مرحلة ما بعد أحداث 14 جانفي 2011. ولكنها في كل الأحوال حافظت على الجسور الطبيعية مع كل البلدان المغاربية رغم بعض الجفاء أحيانا في فترات معلومة خاصة مع المغرب الأقصى.

والأكيد أن النقطة المركزية في عدم تحقق البناء المغاربي هي الصراع الدفين بين البلدين الجارين الجزائر والمغرب حول الصحراء الغربية والذي ألقى بظلاله على كل العلائق البينية في هذا الفضاء المغاربي. وهي «عقدة المنشار» التي قادت إلى التعثر الكبير في هذه المسيرة.

هذا دون أن نغفل عن معطيات أخرى مهمة جدا وهي تباين الخيارات السياسية والاقتصادية وحتى المجتمعية التي راهن عليها كل بلد مغاربي.

فما بين تجربة العقيد القذافي في حكم ليبيا  وما حفّ بها ومآلاتها التراجيدية وما بين التوجه الاقتصادي الذي اختارته الجزائر بعيد ثورتها التحريرية وحتى اليوم وتوجهاتها الدبلوماسية وما بين التوجه الليبرالي اقتصاديا والمحافظ سياسيا الذي اتبعته المملكة المغربية وتوجهها مؤخرا نحو مسار التطبيع مع العدو الصهيوني، يبدو البون شاسعا. بالإضافة إلى الاختلاف الجذري عن المشروع التحديثي  الذي مضت فيه تونس البورقيبية.

وفي كل الحالات فإن اتحاد المغرب الذي ولد من رحم أحلام الشعوب والقادة معا أصبح الآن في مهب الريح تتقاذفه أمواج الحسابات السياسية والتحديات التي تعصف بالمنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

انتعاش في السياحة وتحسّن مؤشرات الفلاحة: الوضع الاقتصادي نحو الانفراج..

يبدو أن هناك انفراجا اقتصاديا في الأفق تشي به بعض المؤشرات التي تعلن تحسّنا في أكثر من قطا…