2024-01-30

حفظ الذاكرة الأثرية مــــن أولــــــــى الأولــــــويـــــــات..!

الصحافة اليوم: تحقيق من إعداد نورة عثماني و لطيفة بن عمارة

تختزل بعض المواقع الأثرية في تونس تاريخ حضارة تفوق 3 آلاف سنة، وتحتوي على أبرز الحضارات في العالم التي يمتد تاريخها لأكثر من ثلاثة آلاف سنة من قرطاج إلى العصر الإسلامي، لكن يبدو أن هذه المعالم أصبحت مهددة نتيجة سوء استغلالها وحمايتها وأغلبها يتعرض للتهميش وللامبالاة وكأنها خارج حسابات الدولة فيما ظلّ العديد منها مهملًا قد يندثر يومًا ما بسبب النسيان والإهمال وبسبب النهب والاعتداءات المختلفة كما تتداخل المهام بين مختلف الفاعلين في مجال الآثار من بيئة وتجهيز وبلدية ومجتمع مدني ومعهد وطني للتراث ووكالة وطنية لحماية التراث ما زاد من حدّة عدم تحديد مسؤولية كل طرف وضبط مجالات تدخله ممّا حال دون تحقيق الحماية المطلوبة لهذه المعالم التي ظلت الى اليوم تناشد السلطات من أجل التدخل العاجل لترميم ما يمكن ترميمه حتى تظل هذه الثروات الثقافية والحضارية حافظة للذاكرة الوطنية ومنارة لكل الأجيال القادمة ومصدرا حقيقيا لخلق الثروة..
وتتعرّض العديد من المواقع الأثرية في تونس إلى أعمال تخريب ارتبطت بتنفيذ مشاريع بناء طمست معالم تاريخية في بعض المناطق. ففي منطقة العوينة بتونس العاصمة مثلا شيّدت خلال السنوات العشر الأخيرة مبانٍ سكنية على مساحات كبيرة من الأراضي الأثرية، ويلاحظ من يتجوّل فيها اليوم وجود بقايا لجدران أثرية تنتشر في زوايا طرق وأرصفة ومواقع حدائق عامة.

انتهاكات بالجملة!!!

كما عاينت وزيرة الشؤون الثقافية في أكثر من مناسبة خلال زياراتها لمواقع أثرية الاعتداءات والانتهاكات التي طالتها على غرار معلم «الحنايا» الأثري الروماني الذي يضم جسوراً معلقة تعلوها شبكة مياه أوسواقٍ مغطاة، تنبسط فوق أقواس وأعمدة شيدت من صخور صلبة تمتد على طول 132 كيلومتر، لنقل المياه العذبة من زغوان إلى قرطاج، وما طاله من اعتداءات شملت هدم أجزاء منه ونقل أحجار بعد تنفيذ عمليات حفر عشوائية في إطار خطط للتوسع العمراني في المنطقة. كما اطلعت وزيرة الثقافة أيضا على مجموعة تجاوزات للقيمة التاريخية لمعلم الكراكة في ضاحية حلق الوادي، شملت بناء عدد من أكشاك البيع بمحاذاته.
كما شهدت المواقع الأثرية في منطقة قرطاج بتونس العاصمة، أحد أشهر المعالم الأثرية في البلاد، والمصنّف موقعَ تراث عالمي منذ عام 1979، الاعتداءات الأكبر حجماً خلال السنوات الأخيرة، حيث جرى تشييد مبانٍ فوضوية على أراض مصنفة أثرية. وأصدرت بلدية قرطاج أكثر من 300 قرار بهدم مخالفات منذ عام 2011، لكن معظمها لم يُنفَّذ.

بلدة المحاسن  عجوز واحات توزر تعاني التهميش!!!

جهة أخرى ثرية بالمعالم والمواقع الأثرية والمعالم الدينية التي أنهكتها الأزمان في انتظار لفتة من السلط المعنية للتدخل العاجل من أجل الترميم وإدراجها ضمن قائمة المواقع الأثرية. حيث تنفرد ربوع الجريد التونسي بمنتوج سياحي متميز جمع ما بين المشاهد الصحراوية والواحات الجبلية وغابات النخيل الممتدة على كامل المناطق التابعة ترابيا إلى ولاية توزر وتحديدا في الشبيكة وتمغزة مرورا بحامة الجريد ونفطة وحزوة الواقعة على الحدود الجزائرية ودقاش ومناطق خط الوديان الذي يتكون من عمادات زاوية العرب واولاد ماجد وكريز وسدادة ودغومس هي كلها تابعة ترابيا إلى معتمدية دقاش.
لكن مع هذا الاشعاع السياحي والثقافي الذي لاقته مدينة توزر كمركز للولاية حظيت به للأسف المناطق التابعة لها بدرجات متفاوتة بلغت درجة التذيل بالنسبة لمناطق خط الوديان وفي مقدمتها منطقة المحاسن التي رغم ما تزخر به من معالم أثرية متنوعة ضاربة في القدم وشاهدة على حقبات تاريخية تمتد إلى الحضارة الرومانية إلا أنها مع ذلك ظلت إلى اليوم تعاني من التهميش بسبب قلة اهتمام السلط في الجهة حتى اصبحت نسيا منسيا يهددها الانهيار والاندثار.

وفي متابعة لهذه المسألة وفي تصريح خاص بـ«الصحافة اليوم» أكد السيد عبد الحميد التواتي مهندس متقاعد يسعى جاهدا إلى رد الاعتبار إلى مسقط رأسه وأرض الأجداد بلدة المحاسن التي يحرص دوما على التشبث بتسميتها الأصلية «كريز» وذلك غيرة منه عليها وعلى ما تزخر به من أمجاد وآثار بأن العديد من المواقع الأثرية في الجهة لم يتم إدراجها بقائمة المواقع الأثرية بتونس مضيفا انه رغم هذا الثراء التاريخي والحضاري إلا أن هذه البلدة تعاني من التهميش المعنوي بسبب عدم تسجيل هذه المواقع الأثرية بالقائمة الرسمية للمواقع التاريخية والأثرية من طرف المعهد الوطني للتراث إضافة إلى عدم نسبة البعض من الموقع الموجودة في المحاسن اليها ونسبتها إلى مناطق أخرى مجاورة في تعسف كبير على تاريخ وعراقة هذه البلدة هذا علاوة على التهميش المادي أي غياب المراقبة والحراسة لحماية هذه المواقع وعدم وجود جدية أوأي نية لترميمها داعيا بذلك السلطات المعنية إلى القيام بلفتة عناية بالمنطقة من خلال تسجيل هذه المواقع بدرجة أولى وترميم الجوامع التي باتت على وشك الانهيار في مرحلة ثانية وأمام هذا الثراء الحضاري والتاريخي يطالب جميع سكان منطقة المحاسن بلفتة من المسؤولين المعنيين من أجل العناية بمعالمها حتى لا تندثر وبالإسراع في إعادة بناء دار الثقافة بالمكان وهي المؤسسة الثقافية الوحيدة الموجودة بالمنطقة وهي مغلقة منذ سنة 2011 ، وذلك للحاجة الملحة لأبناء المنطقة من الشباب والأطفال لفضاء يحتضنهم ويحميهم من السلوكات المحفوفة بالمخاطر.

وأكد محدثنا بأن «كريز» أو كما يحلو تسميتها البلدة العجوز تعاقبت عليها عديد الحضارات منذ آلاف السنين مثل البربر والرومان والعرب وخير دليل على ذلك آثارها الضاربة في القدم ونذكر منها غابة « قبة» (دقيا نوس قديما) وجبل «سبع رقود» إضافة إلى عديد الآثار الأخرى مثل «المقطعان الرومانيان» للحجارة ذات الحجم الكبير المسمى «لحويشات» قائلا ولا ننسى طبعا الجوامع العتيقة مثل «جامع سيدي الصحبي» و«جامع سيدي عبد المحسن» و«جامع الجمعة» .وعدة أضرحة للأولياء الصالحين مثل «سيدي حمادي» أصيل الساقية الحمراء بالمغرب و«سيدي لخرساني» و«سيدي بن بهيج» و«سيدي منجي» و«سيدي عبد المحسن».ويؤكد التواتي انه بحسب المراجع تعد بلدة «المحاسن» من المناطق الثرية بالواقع الاثرية الرومانية المنسية.

وفي تصريح خاص بـ«الصحافة اليوم» أيضا اكد السيد ابراهيم الدرغوثي الروائي الكبير وهوأيضا أصيل منطقة كريز ومهتم بالتاريخ والتراث بأن «تقيوس» مدينة رومانية مما يرجح أن مركزها كان في قرية «كريز» القديمة ملاحظا بأن آخر معركة كبرى دارت رحاها تحت أسوار تقيوس كانت عند سقوط الدولة الأغلبية أي في القرن التاسع الميلادي ووراء السور توجد مقابر المدينة وهي ممتدة على مساحة كبيرة على ضفتي وادي بنزاوة مما يدلل على كبر المدينة وعراقتها .وقال أيضا بأن هذه المقابر قد نبشت على مر التاريخ ولكن شواهد منها ظلت موجودة حتى الآن منها المنقور داخل الصخور ومنها المصنوع من الجبس المشوي . ولعل النبش الاكبر للمقبرة كان عند بناء مدرسة كريز الابتدائية سنة 1937 زمن الاستعمار الفرنسي. وقد بقيت جماجم الموتى وعظامهم تزين قاعات الاقسام حتى ستينات القرن الماضي مشيرا الى وجود شاهد آخر على عراقة كريز الرومانية اوتقيوس وهوالجبل المطل على البلدة قريبا ملاحظا أيضا بأن اسم كريز من أصل أمازيغي (تكرزت) وتعني أرض الفلاحة والزرع.

مسؤولية جماعية ومجهود وطني!!

يخفي تاريخ تونس عند كل مرحلة من مراحله إرثاً متنوّعاً ومتعدّداً يشبه الفسيفساء إلى حدّ بعيد، حقب تاريخية متنوعة ومختلفة مازالت آثارها إلى حد الآن تنتظر الحماية،حيث إن هذا الموروث الضخم مهدّد رغم الجهود الرسمية المتواضعة للحفاظ عليه. وفي هذا الإطار أفاد طارق البكوش مدير عام المعهد الوطني للتراث في تصريح لـ«الصحافة اليوم» أن حماية المعالم من هذه الانتهاكات ومن السرقة والنهب والعمل على حسن استغلالها تتطلب نفقات مالية كبيرة لا تقدر وزارة الثقافة ومن ورائها معهد التراث في ظل الأزمة الاقتصادية التي تواجهها على تحمل أعبائها. وأكد أن حماية التراث يجب أن تكون مجهودا وطنيا تتظافر فيه كل الأطراف داعيا المواطن إلى مزيد الوعي بأهمية المواقع والمناطق الأثرية وضرورة المساهمة الفعلية في المحافظة عليها. وأوضح مدير عام معهد التراث أن السنوات الأخيرة شهدت تجاوزات كبيرة واعتداءات بالجملة على المناطق والمواقع الأثرية، مؤكدا أنّ غالبية المشاريع نفذت من دون الرجوع الى المعهد ما يخالف تماماً الترتيبات المعمول بها. وقال طارق البكوش إن المعهد الوطني للتراث لا يملك سلطات تنفيذية، ويكتفي بإبلاغ البلديات بشكل سريع بكل التجاوزات المرصودة، باعتبارها الجهة المخولة قانوناً لتنفيذ قرارات الهدم بالتنسيق مع مصالح الولاية.
وأكد البكوش على أن التراث التونسي يستحق إعادة للاعتبار من حيث هومجال للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، ومن حيث تحقيق التوازن بين حماية الموروث من جهة وتنميته من جهة أخرى، بوصفه رصيداً متنوعاً متعدداً ثرياً يمكن اعتماده منطلقاً للابتكار والتجديد، كما يستحقّ تهيئة إطار وطني تونسي للتراث ضمن منظومة مترابطة ومتكاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

197 يوم من الإبادة:  34094 شهيد.. ومفاوضات الهدنة معطّلة..!

الصحافة اليوم (وكالات الأنباء) واصل جيش الاحتلال الصهيوني حربه على قطاع غزة لليوم الـ197، …