2024-01-20

في الذكرى 78 لتأسيسه : اتحاد الشغل.. «خير لابدّ منه»..!

يحيي الشغّالون بالفكر والسّاعد، ومعهم عموم التونسيين اليوم 20 جانفي 2024 الذكرى 78 لتأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل على أيدي ثلّة من النقابيين الوطنيين على رأسهم الزعيم الخالد الشهيد فرحات حشاد كامتداد تاريخي ومراكمة طبيعية لتجربتي جامعة عموم العملة التونسيين الأولى في عشرينات القرن الماضي بقيادة محمد علي الحامي وجامعة عموم العملة التونسيين الثانية بزعامة بالقاسم القناوي بعد عقدين ونيف.
وطبيعي أن تنخرط المنظمة الفتية آنذاك في النضال على جبهتين، جبهة التحرّر الوطني مع مكوّنات الحركة الوطنية، دستوريين وشيوعيين ومواطنين عاديين، وجبهة النضال الاجتماعي من أجل افتكاك حقوق الأجراء الذين يرزحون تحت وطأة الاستعمار والاستغلال الفرنسي.
وكانت الكلفة باهظة للغاية، بدأت باغتيال الشهيد المؤسس حشاد، ثم لم يميّز المستعمر الفرنسي بين التونسيين سواء كانوا نقابيين او سياسيين او حتى مدنيين، كهولا وشيوخا ونساء وأطفالا وهو الثمن الذي يدفعه الشعب التواق لتقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وهو ما حصل عام 1956 ووجد الاتحاد العام التونسي للشغل نفسه مسؤولا وشريكا في بناء الدولة الوطنية..

حالة الانسجام بين النقابة والسلطة لم تعمّر طويلا، وبمرور الأعوام بدأ التباين يبرز بين حرص النقابيين على مواصلة الدفاع على منظوريهم حماية لحقوقهم المادية والمعنوية، وجنوح حزب الرئيس الحبيب بورقيبة، «حزب الدستور» الحاكم للاستبداد ومحاصرة العمل النقابي والسياسي أيضا فشهدت بلادنا موجات من المحاكمات أواخر الستينات وخلال السبعينات وانفجر الوضع الاجتماعي بالوصول إلى الإضراب العام في 26 جانفي 1978.
تواصل المدّ والجزر بين السلطة والاتحاد وارتفعت حدة المعركة بشأن الاستقلالية إلى أن حصل التصادم من جديد أواسط الثمانينات في أوج أزمة خانقة عرفتها البلاد جراء خضوعها لإملاءات صندوق النقد الدولي وغياب مقاربة تشاركية في إدارة الشأن العام والتضييق على الحريات وتفاقم الصراع على الحكم بسبب تدهور صحة الرئيس بورقيبة وتنامي معركة الخلافة بين أفراد حاشيته.

وحتى في حقبة الرئيس زين العابدين بن علي، ورغم النجاح في مرحلة ما في إرساء تجربة المفاوضات الاجتماعية الدورية التي تفضي الى اتفاقيات تمتد على ثلاث سنوات وتحقّق نوعا من السلم والهدنة الاجتماعية، فإن أزمة النظام وفشل منوال التنمية والسقوط في فخ الاستبداد وقمع الحريات وبروز معركة الخلافة مرة أخرى، خلق فجوة ليس في الخطاب فقط وعلاقته بالواقع، بل وفي إعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في نفس الوقت وهو ما اكتشفه التونسيون بعد الملحمة غير المكتملة.
في هذه اللحظة التاريخية رافق اتحاد الشغل هبّة التونسيين بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011 في غياب قيادة سياسية لثورة تونسية حقيقية كانت ممكنة وكان نجاحها ممكنا لكنها تعثّرت وأجهضت حسب البعض ولم تقم أصلا حسب البعض الآخر، وأصبحت البلاد نتيجة لذلك معرّضة للكثير من المخاطر الجاثمة والداهمة على حد سواء فكانت المنظمة خيمة للتونسيين كعادتها واستمرت قيادتها في الاضطلاع بالدورين الوطني السياسي من جهة والاجتماعي من جهة ثانية.
وهنا لا يحق لأحد في تقديرنا أن يلوم أو ينتقد الاتحاد العام التونسي للشغل على الاشتغال في السياسة لسببين على الأقل، أولهما أن الطبيعة لا تحتمل الفراغ وفي ظل غياب قوة سياسية قادرة على التعبئة وعلى ضبط الأمور لا مناص من التعويل والتسليم بدور القوة الاجتماعية، وثانيهما أن هذا الدور التعديلي إن جاز القول والجمع بين السياسي والاجتماعي ليس جديدا، فهو ميزة هذه النقابة ربما الفريدة في العالم دون مبالغة.
وليس جديدا أيضا أنّ منظومات الحكم المتعاقبة منذ الاستقلال إلى اليوم، اجتهدت لترسم مربع تحرك المنظمة الشغيلة لكنها لم تكن قادرة على تحقيق ذلك ليس لقوة المنظمة وتجذرها فقط ولكن أيضا لضعف هذه المنظومات في حد ذاتها وعدم قدرتها على تحقيق تطلعات التونسيين في الكرامة والحرية وصون استقلال البلاد وسيادتها الوطنية.

وللتاريخ أيضا، كان موقف الاتحاد مشرّفا في لحظات كثيرة وقع فيها استهداف البلاد سواء من دول بعينها كما حصل سنة 1985 مع الشقيقة ليبيا، أو من طرف شركاء تونس وعلى رأسهم المؤسسات المالية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي، فالمنظمة الشغيلة هي التي وضعت خطوطا حمراء أمام املاءات هذا الصندوق الذي يتواصل ابتزازه لبلادنا في هذه الفترة من خلال التلكؤ في إسناد قرض بسيط منذ ثلاث سنوات.
هذا هو الوجه الخيّر لاتحاد حشاد والذي سعت منظومات الحكم المتعاقبة إلى تدجينه أو ضربه أو محاصرته مرة بتشجيع التعددية النقابية ومرة بالتلويح ببعض الإجراءات «العقابية» كإيقاف التفرغ النقابي والاقتطاع الآلي للانخراطات..
وهذا الوجه الخيّر الجميل يحمل ككل الوجوه بعض «الخدوش» التي لا يمكن تجاهلها والحكمة في الإصداح بوجودها وعلاجها درءا للمضاعفات.
في الوصفة إذن شيء من الحوكمة وكثير من الديمقراطية الداخلية، وتحصين لمبدإ التداول على المسؤوليات، ولجم للبيروقراطية، وكبح للإنفلات النقابي وللتحركات والاضرابات العشوائية والوحشية فالنضال نقابيا او سياسيا لا يمكن أن يكون عشوائيا أو وحشيا والنقابي قدوة في سلوكه المهني والنضالي في نفس الوقت.

وليس خافيا على أحد اليوم ان اتحاد الشغل في وضع دقيق للغاية فهو أمام تحديات كثيرة أهمها ترتيب البيت الداخلي وضخ دماء جديدة في قيادته في جميع المستويات واستعادة زخمه الجماهيري ليس في أوساط النقابيين والأجراء فقط، وإنما في أوساط عموم التونسيين، وكذلك حسن إدارة العلاقة مع منظومة الحكم خصوصا وان القيادة الحالية اختارت الانتصار لما أقدم عليه رئيس الجمهورية قيس سعيد في 25 جويلية 2021 ثم وجدت نفسها في تقاطع مع «خصومه» في بعض النقاط المتصلة بالحريات وبالمقاربة التشاركية في إدارة الشأن العام، وهذا ليس غريبا فقد كان يحصل عبر التاريخ وفي عديد المناسبات، وهو ما غذّى في الظاهر برود العلاقة بين الطرفين في الفترة الماضية قبل ظهور مؤشرات ايجابية مثل المعايدة التي حصلت بين رئيس الحكومة والأمين العام للاتحاد ثم تجديد الحكومة للمنشور المتعلق بالاقتطاع الآلي للانخراطات في القطاع العام وهو ما قابلته قيادة المنظمة الشغيلة بارتياح كبير.
إن إحياء الذكرى 78 لتأسيس الاتحاد الذي يعود بالمناسبة لبطحاء محمد علي بكل ما تحمله من دلالات، محطة جدّ هامة كي لا نقول مفصلية لتأكيد حقيقة واحدة لأطراف متعددة، الحقيقة الواحدة هي أن الاتحاد خير لابد منه، والأطراف المتعددة هي، النقابيون والمضطلعون بأعباء الحكم وعموم التونسيين و«أصدقاء» تونس وشركائها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

تحتضنه بلادنا غدا: انتظارات كبرى من الاجتماع التشاوري الأوّل لقادة تونس والجزائر وليبيا

تنفيذا للقرار الذي تم اتخاذه في اللقاء المغاربي الثلاثي قبل شهرين ونيف في العاصمة الجزائري…