2023-12-31

2023.. سياسيا واقتصاديا واجتماعيا – انطلقت بانتخابات تشريعية وانتهت بانتخابات محلية: متوتّرة ومنفعلة وسيّئة المزاج..!

تودّع بلادنا كما بقية بلدان العالم سنة 2023 التي كانت حبلى بالأحداث السياسية، حيث انطلقت بإجراء الدور الثاني للانتخابات التشريعية يوم 29 جانفي بعد ان اجري دورها الأول يوم 17 ديسمبر 2022 وتركيز البرلمان يوم 13 مارس، حيث عقدت أولى جلساته بعد حوالي السنة ونصف السنة عن اغلاقه، إثر إجراءات 25 جويلية 2021. وانتهت السنة بتنظيم الدور الأول من الانتخابات المحلية يوم 24 ديسمبر وإعلان نتائجها الاولية يوم 27 من نفس الشهر.

وأفرزت الانتخابات التشريعية برلمانا جديدا تشكّل مبدئيا من 154 نائب من أصل 161 في انتظار استكمال عدد نوابه من خلال سدّ الشغورات في سبع دوائر في الخارج. ومارس البرلمان خلال فترته البرلمانية الأولى دوره التشريعي والرقابي من خلال المصادقة على نظامه الداخلي الجديد وعلى عدد من اتفاقيات قروض وعدد من مشاريع القوانين ووجّه عددا من الأسئلة الكتابية للحكومة كما نظم جلسات استماع لعدد من اعضائها. ومن أهم إنجازات البرلمان الجديد منذ انطلاق عمله، هو المصادقة على مشروع قانون المالية لسنة 2024 في الآجال القانونية رغم كل التحديات والوضعية الصعبة للتوازنات المالية الكبرى التي تواجهها البلاد بسبب الضغوط الناجمة عن تطور الوضع الاقتصادي سواء على المستوى الوطني أو العالمي.

في المقابل أخفق البرلمان في شهر نوفمبر في الوصول الى المصادقة على مشروع قانون تجريم التطبيع مع العدو الصهيوني الذي كانت قد تقدمت به كتلة الخط الوطني السيادي في شهر جويلية. حيث في جلسة عامة مثيرة للجدل تمت المصادقة على الفصلين الأول والثاني من مشروع القانون، ليتم بعد ذلك تعليق هذه الجلسة وارجاع مقترح القانون إلى لجنة الحقوق والحريات لاستكمال جميع الإجراءات حتى يكون متناغما مع الدستور. وتواصل تعليق الجلسة وانتهت سنة 2023 دون تحديد موعد جديد لها في حين تواصل الجهة المبادرة بهذا المشروع التمسك بتمريره.
وبالنسبة الى الانتخابات المحلية التي انتظم دورها الأول قبل نهاية السنة فإنها تعتبر محطة فارقة في مسار البلاد بعد جانفي 2011 باعتبارها تمهد الى تثبيت مؤسسات الحكم الجديد المنبثق عن إجراءات 25 جويلية 2021. حيث ستنبثق عنها مجالس محلية ومنها ستنبثق مجالس جهوية ثم مجالس أقاليم، ومن ثمة سيتم تشكيل المجلس الوطني للجهات والأقاليم، الذي سيكون بمثابة الغرفة الثانية للبرلمان. وكل ذلك في إطار إرساء أركان نظام ما يسمى «البناء القاعدي» الذي قدمه الرئيس قيس سعيد منذ سنة 2013 قبل توليه الرئاسة كتصور لنظام سياسي بديل للنظام القائم وحرص على تحقيقه بعد تولي سيادته هذا المنصب سنة 2019. علما وانه تمهيدا لهذه الانتخابات قام في شهر مارس بإصدار مرسوم يقضي بحل جميع المجالس البلدية التي تم انتخابها سنة 2018.
ما بين المحطتين الانتخابيتين

وما بين المحطتين الانتخابيتين اللتين انطلقت السنة باحديهما وانتهت بأخرى، عاشت البلاد زخما كبيرا من الاحداث ذات الصبغة السياسية واختلاط الكثير منها بما هو اقتصادي وبما هو اجتماعي وكذلك بما هو أمني. ومن اللافت أن سنة 2023 كانت حافلة بالايقافات السياسية، حيث تم اعتقال عدد كبير من المعارضين لمسار 25 جويلية 2021. ومنذ شهر فيفري بدأت في تونس حملة توقيفات شملت سياسيين وإعلاميين وكبار المسؤولين في عدد من مؤسسات الدولة وقضاة ورجال أعمال بتهم عديدة منها التآمر على أمن الدولة وأخرى ترتبط بالإرهاب والفساد.
وقد واجهت هذه الإيقافات وما تزال موجة من الانتقادات من قبل معارضي الرئيس قيس سعيد الذي شدد على تشبثه بـ«تطهير البلاد» ممن يهددون امنها وسلمها الاجتماعية ويقفون وراء أزمات توزيع السلع وترفيع الأسعار. كما تواصلت ملاحقة رجال الأعمال الذين لم يستجيبوا لدعوة الرئيس للانخراط في مسار الصلح الجزائي وارجاع مال الشعب المتحصل عليه بطرق غير مشروعة.

وزادت الضغوطات المالية الخانقة التي تعيشها البلاد في إصرار رئيس الجمهورية على استرجاع أموال الشعب ممن نهبوها وعلى أن الهدف من الصلح الجزائي لم يكن أبدا التنكيل برجال الأعمال ولا سجنهم. وبالنظر الى ما واجه القانون الحالي لهذا الصلح من عقبات حالت دون التوصل إلى النتائج المرجوة منه، فقد جنح سعيد الى تعديله في اتجاه أن يفرض على رجال الأعمال الموقوفين في قضايا فساد وجرائم مالية دفع الأموال المطالبين بإعادتها مقابل مغادرتهم السجون.
ويسعى الرئيس لتحقيق تقدم في هذا الملف للخروج من الأزمة المالية التي تمر بها البلاد حيث يمثل المبلغ المؤمل استرجاعه أكثر بكثير من التمويل الذي تطالب به تونس من صندوق النقد الدولي والمقدر بنحو 1.9 مليار دولار. وكان الصندوق قد أعلن منذ أكتوبر 2022 موافقة مبدئية على حصول بلادنا على هذا القرض، لكن منذ ذلك الحين تعثرت المفاوضات. ومردّ هذا التعثر تشبث هذه المؤسسة المالية الدولية بتنفيذ شروطها المتعلقة بمراجعة سياسة الدعم وإصلاح الشركات الحكومية وتقليص كتلة الأجور في القطاع الحكومي. وهو ما اعتبره الرئيس تدخلا في الشأن الداخلي لتونس ومسّا من سيادتها الوطنية ليعبر ويكرر عن رفضه لهذه الشروط أو بالأحرى الاملاءات، التي ترمي بالجانب الاجتماعي والإنساني للتونسيين عرض الحائط.

وعلاوة على الملف الاقتصادي والمالي الذي لم يشهد خلال سنة 2023 بوادر انفراج، فإن تونس شهدت أيضا تعمق ازمة المهاجرين غير النظاميين بسبب تواصل تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين غير النظاميين من إفريقيا جنوب الصحراء الذين يتخذون من سواحل بلادنا منطلقا للعبور نحو الشواطئ الإيطالية ومنها الى بقية البلدان الأوروبية، التي عبرت عن قلقها من توافد الأعداد المتزايدة من المهاجرين غير الشرعيين على أراضيها.

ومن جهتها قامت تونس في شهر جويلية بعد اندلاع عدد من الأحداث وأعمال عنف وشغب في الجهات التي تكاثر فيها عدد المهاجرين بترحيل المئات منهم في اتجاه الحدود الليبية والجزائرية. وهو ما أثار موجة من الاستياء من قبل المنظمات الحقوقية. وفي نفس الشهر وبسبب التزايد الحاد في عدد القوارب التي تغادر تونس الواقعة في شمال أفريقيا إلى أوروبا، وقّعت تونس والاتحاد الأوروبي مذكرة شراكة استراتيجية لمكافحة الهجرة غير النظامية. وقدمت إيطاليا دعما سياسيا كبيرا إلى تونس لتوقيع هذا الاتفاق. وهذه المذكرة تهدف إلى الحد من وصول المهاجرين غير النظاميين إلى السواحل الإيطالية، وتوفير مساعدة مالية لدعم تونس التي تواجه صعوبات اقتصادية حادة.

وشهدت تونس خلال سنة 2023 علاوة على الصعوبات المالية وأزمة المهاجرين تحديات عديدة أخرى منها النقص الحاد في عدد من المواد الغذائية الأساسية مثل الخبز والسكر والقهوة. وقد حمّل سعيد مسؤولية ذلك في أكثر من مناسبة وفي أكثر من تصريح إلى محتكرين والقوى المعارضة له ولمساره، فيما أرجعه خبراء الاقتصاد إلى غياب السيولة من العملة الصعبة في البلاد. وتسبب كل ذلك في حالة تململ داخل الرأي العام التونسي. وبالإضافة الى كل ذلك لم تخل سنة 2023 من عديد الاحتجاجات والإضرابات القطاعية تعبيرا عن مطلبية عمالية واجتماعية.

وبالرغم من عديد الضغوطات حاول الرئيس قيس سعيد ادخال نفس إصلاحي على أوضاع البلاد في عدد من القطاعات بما في ذلك قطاع التربية. وفي هذا الإطار تم تنظيم الاستشارة الوطنية حول إصلاح التعليم التي تواصلت فعالياتها بين 15 سبتمبر و15 ديسمبر بهدف سبر آراء التونسيين حول رؤيتهم ومقترحاتهم لإصلاح منظومة التعليم في البلاد. كما حرص على القيام بالزيارات الميدانية للشارع التونسي للاستماع لمشاغل المواطنين كما زار العديد من المؤسسات العمومية التي تعاني من صعوبات مالية في محاولة لإيجاد الحلول الكفيلة بإنقاذها من أجل المحافظة عليها.

وأمنيا تواصل السلط المعنية بالحفاظ على أمن البلاد مجهوداتها لمكافحة الجريمة والإرهاب. وكانت سنة 2023 حسب عديد الخبراء الأمنيين ناجحة أمنيا من مختلف الجوانب. وتمثل تصفية عدد من العناصر الإرهابية في جبال القصرين بين يومي 27 و28 ديسمبر دليلا على هذا النجاح. في المقابل ورغم ما تحقق من نجاح أمني في القضاء على العناصر الإرهابية، إلا أن التهديدات مازالت قائمة خاصة على مستوى الحدود البرية الصحراوية، ما يتطلب مواصلة اليقظة الأمنية والعسكرية والشعبية من اجل تفكيك جيوب الشبكات الارهابية والقضاء عليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

في انتظار دعوة رسمية من إيطاليا: تونس في قائمة الدول المدعوة لحضور قمة مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى

تم إعلاميا تداول خبر اعتزام إيطاليا دعوة عدد من قادة الدول الافريقية والجنوب امريكية والهن…