2024-07-09

الجبهة الشعبية الجديدة تصنع المفاجأة في فرنسا : اليسار يخلط الأوراق في الداخل.. ويوقظ الخارج

عرفت الأشهر القليلة الماضية، وإلى حدود نهاية الأسبوع المنقضي إنجاز العديد من الاستحقاقات الانتخابية في أكثر من بلد، ورغم أهمية الانتخابات الرئاسية في الجمهورية الاسلامية الايرانية على سبيل المثال أو الانتخابات البرلمانية في بريطانيا، شكّل الدور الثاني للانتخابات التشريعية في فرنسا حدثا وطنيا تجاوزت ارتداداته الجمهورية الفرنسية وبلغ صداه أصقاع العالم.

لقد تحدّث البعض عن المفاجأة، والبعض الآخر عن الصدمة وثمّة من رفع سقف التفاؤل وروّج للعهد الجديد فيما اعتبرت أصوات عاقلة أن ما حصل في فرنسا يوم الأحد 7 جويلية 2024 لم يكن هيّنا ومآله تحكمه عديد  المعطيات الذاتية والموضوعية، وإذا قُدّر له الثبات والنجاح في إنقاذ الجمهورية وقيمها ومبادئها، وانصاف اليسار وإعطائه الفرصة للاضطلاع بأعباء الحكم في هذه الديمقراطية العريقة بطريقة سلمية ستستلهم منها القوى اليسارية في مشارق الأرض ومغاربها الكثير من أجل تحقيق الانتصار لإنسانية الإنسان في كل مكان.

وكما صار معلوما إذن، تصدّرت الجبهة الشعبية الجديدة وهي ائتلاف لأحزاب اليسار، نتائج الانتخابات التشريعية الفرنسية فيما حل الائتلاف الرئاسي «معا» بقيادة رئيس الجمهورية ايمانويل ماكرون في المركز الثاني وتقهقر التجمع الوطني اليميني المتطرف الى المركز الثالث بعد ان كان متصدّرا النتائج في الدور الأول، ومع ذلك ليس لأي طرف أغلبية تمكنه من الحكم بأريحية في المرحلة القادمة، لذلك ستكون المشاورات والتحالفات والتكتيكات في قادم الأيام محدّدة في تكريس الانتصار وتثبيته من عدمه.

والسؤال الذي يتغاضى الكثيرون عن طرحه، هو ما الذي حصل خلال أسبوع فقط حتى ينقلب السحر على الساحر ويصوّب الشعب الفرنسي خياراته وينقذ جمهوريته ويعاقب اليمين المتطرف ويمنح الثقة لليسار؟

والجواب في جانب كبير منه واضح وبسيط للغاية، لقد تحمّل اليسار الفرنسي بقيادة رموز كانت محلّا لانتقادات كثيرة المسؤولية، ودون نكران دور أي «زعيم» في الحزب الشيوعي الفرنسي أو في مجموعات الخضر أو المستقلين، كان دور زعيم «فرنسا الأبية» جان لوك ميلانشون محدّدا في تحقيق هذا الانتصار سواء عند تشكيل الجبهة الشعبية الجديدة مباشرة بعد اعلان نتائج الدور الاول الكارثية، ثم صياغة برنامج العمل، أو بعد ذلك أثناء تنظيم الحملة الانتخابية التي لم تكن سهلة والتي برهن فيها الشباب اليساري أنه وقود التغيير متى حظي بثقة القادة واتضحت في ما بينهم الأدوار.

ويمكن القول دون مبالغة إن ما يسّر الانتصار هو برنامج الجبهة الشعبية الجديدة، برنامج واقعي اجتماعي إنساني لا يختلف حوله عاقلان، فمن لا يريد تحسين الأجور وتوفير الخدمات وتطويرها في مجالات النقل والصحة والتعليم والثقافة وغيرها، ومن لا يريد بيئة سليمة ومناخا عاما من الحريات، ومن لا يريد ان يؤسس علاقات دولية سليمة نابذة للعنف والهيمنة وقادرة على تحقيق المصلحة المشتركة للأمم وتأمين حق الشعوب في تقرير مصيرها وإقامة دولها المستقلة الديمقراطية؟

إن هذه الإجابة اليسارية في فرنسا هي التي خلطت الأوراق في هذا البلد الذي تطور فيه اليمين المتطرف بشكل غير مسبوق خلال العقدين الأخيرين، وازداد الخطر بصعود مجموعات اليمين المتطرف في أكثر من بلد أوروبي، وعاد الخطاب الفاشي والنازي بقوة في هذه القارة العجوز التي كانت مهدا للديمقراطية العريقة وأصبح المهاجرون والفقراء والمسحوقون وحتى ذوو الاحتياجات الخاصة هدفا لعنصرية هذه المجموعات المتطرفة.

هنا يمكن القول ان اليسار الفرنسي لم يقطع الطريق أمام اليمين المتطرف في فرنسا فقط ولكنه أشعل الضوء الأحمر أمام هذا اليمين المتكاثر المزروع في كل مكان مدعوم بقوى رأس المال والمافيات، لذلك انتشى اليسار في أمريكا اللاتينية وجاءت أول تهنئة للجبهة الشعبية الجديدة من فنزويلا، تهنئة بوليفارية على حدّ قول الرئيس نيكولاس مادورو كما بادرت عديد القوى اليسارية في افريقيا واسيا والعالم العربي في الاشادة بما تحقق في فرنسا.

ان الأيام القادمة ستكون صعبة للجبهة الشعبية الجديدة ولليسار الفرنسي وللزعيم ميلانشون، لكن صمود الجبهة في فرنسا ودعم حلفائها لها في العالم والسير على منوالها أيضا وهذا هو الأهم في تقديرنا، من شأنه أن يساهم بشكل أو بآخر في التأثير في موازين القوى الدولية والتسريع في ما اعتبرناها إرهاصات نظام عالمي جديد، بدأت ملامحه في الظهور ذات 7 اكتوبر 2023 عندما أطلقت المقاومة الفلسطينية ملحمة طوفان الأقصى على أرض فلسطين وها نحن بعد أشهر من الصمود أمام جرائم الإبادة التي يقترفها الكيان الصهيوني، تعلن الجبهة اليسارية في فرنسا أن مسألة الاعتراف بدولة فلسطين مسألة محسومة وحتى في علاقة بالحرب الروسية مع الناتو في أوكرانيا فقد سبق وأن أعلن ميلانشون نفسه أن الأولوية ستكون لوقف إطلاق النار.

لن نعود الى الثورة الفرنسية والى ما حصل قبل زهاء مائتي عام، ولن نعود أيضا الى الشيلي وصعود اليسار الى الحكم بواسطة الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة مطلع سبعينات القرن الماضي ولكننا نذكّر بدول امريكا اللاتينية اليوم التي قد لا تكون تجارب مثالية ونموذجية مطلقة في الديمقراطية كما تشكلت في العصر الحديث، لكنها تظل التجارب الأفضل والأقرب لتحقيق إنسانية الانسان من كوبا الى نيكارغوا وفنزويلا والبرازيل وبوليفيا والارجنتين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

رغم الزيارات الميدانية لرئيس الجمهورية : العبث بـ«السكك الحديدية» تجاوز الحدود..!

لن يكون من السهل على عدد من المواطنين من مختلف مناطق الجمهورية، من بنزرت ربّما وتونس الكبر…