2024-06-30

فرنسا تنتخب: «حرية، مساواة، أخوة» على المحكّ..!

يتوجّه اليوم الأحد 30 جوان 2024 حوالي 50 مليون ناخب فرنسي الى مكاتب الاقتراع لاختيار أعضاء الجمعية الوطنية البالغ عددهم 577 عضو في دور أوّل، على أن يُجرى الدور الثاني الأحد القادم. وكما هو معلوم فإن هذه الانتخابات التشريعية مبكرة، دعا إليها الرئيس ايمانويل ماكرون بعد فوز حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف بأغلبية ساحقة في انتخابات البرلمان الاوروبي مطلع الشهر الجاري، وما تزال المخاوف كبيرة بشأن ترتيب البيت الأوروبي على قاعدة معادلة صعبة ومعقدة بحكم تقدّم اليمين المتطرف وتحدّي الحفاظ على الكثير من «المكاسب» ومن ضمنها إطار الاتحاد الأوروبي في حدّ ذاته.

ولا يختلف اثنان في أن الانتخابات التشريعية في فرنسا اليوم، قد تكون الأهم والأخطر في تاريخ الجمهورية منذ العام 1945 ومثل ما يمكن لها ان تقلب موازين الحكم وتغير وجه الجمهورية ومفاتيح «الحرية والمساواة والأخوة» فيها، يمكن ايضا ان تخلق حالة من الشلل والتعايش الى حدود الاستحقاق الانتخابي الرئاسي القادم الذي سيبنى دون أدنى شك على أسس وموازين القوى والتحالفات والجبهات التي تشكّلت بعد لهذه الانتخابات السابقة لأوانها.

وبعيدا عن الأرقام والتوقعات التي كشفتها عمليات استطلاع الرأي المنشورة هذا الأسبوع والتي تفيد بتقدم حزب التجمع الوطني المتطرف وحلفائه في الجولة الأولى أمام تحالف الجبهة الشعبية الجديدة اليساري، وفي المرتبة الثالثة تحالف الرئيس الفرنسي المنتمي للوسط، فان الاستحقاق الانتخابي الفرنسي أعاد للأحزاب بريقها، وللسياسة جاذبيتها وللمشاركة في الشأن العام دورها في تكريس قيم المواطنة مع الأخذ بعين الاعتبار التجاوزات و«العاهات» التي ترافق الانتخابات في كل مكان والتي تعود لطبيعة الثقافة الديمقراطية السائدة.

وعلى هذا الأساس اكتشف العالم من جديد ان الخيارات في الحكم وفي إدارة الشأن العام تقوم على صراع بين المشاريع وبين الأقطاب أو الجبهات أو في كلمة بين اليمين واليسار وما بينهما من الوسط. ولليسار واليمين في فرنسا بالذات جذور تذهب بعض القراءات الى اعتبارها الجذور الأصلية التي تأسس عليها هذا الفصل في التاريخ الحديث بين الطرفين في العالم، حيث تمترس «المحافظون» وأصحاب المال والجاه والمتاجرون بالدين والمتيّمون بالحكم المطلق في الجانب الأيمن للجمعية الوطنية أي البرلمان في العام 1789 في حين جلس الراديكاليون المنتصرون للقيم الانسانية التي قامت عليها الثورة الفرنسية ثم مبادئ الجمهورية على اليسار، وتحوّل تقسيم الأمر الواقع هذا الى تقسيم حضاري، وأصبح بفضل الأحزاب والجمعيات والنقابات ومجمل ما يعرف اليوم بالوسائط التقليدية إكسير الحياة الديمقراطية ومعيارا لصفائها.

والصراع الانتخابي اليوم في فرنسا يقوم على هذا الأساس، يقوم على رؤيتين للمجتمع الفرنسي والمجتمع الدولي، رؤية تتخذ من الانغلاق على الذات ومن التفوق العرقي ومن الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على الآخرين نهجا للوصول الى الحكم والبقاء فيه، ورؤية تعلن الانتصار لإنسانية الانسان وتعتبر ان مصلحة المواطن في فرنسا هي في مصلحة المواطن في العالم، وان الشعارات الثلاثة التي قامت عليها الجمهورية الفرنسية وهي الحرية والمساواة والأخوة، ما تزال «صالحة للاستعمال».

أما الوسط في السياسة فلا تنطبق عليه مقولتنا العربية «خير الأمور الوسط» فلا توجد منطقة وسطى بين الحرية والحرمان منها، وبين المساواة والتمييز، وبين الأخوّة والعداوة والعنف والحرب والاضطهاد.. في فرنسا اليوم، فرز بين مشروعين حضاريين قد لا ينتهي بالحسم النهائي رغم التقدّم الذي يُنتظر أن يحقّقه اليمين المتطرف الذي قد يستقطب معه بعض الوسط أيضا، لكنّه اختبار مهم بل ومصيري أيضا لليسار ولقدرته على الوحدة في جبهته الشعبية الجديدة وقدرته كذلك على استيعاب ما أمكن من الوسط، وسط بيئة أوروبية مبعثرة بدورها تعيش حالة فصام حادّة، فهي لم تتخلّص من عبء إرث الفاشية في ايطاليا موسوليني، واسبانيا فرانكو، ونازية ألمانيا هتلر، والجماعات اليمينية المتطرفة في بقية الدول، وفي نفس الوقت، تحتمي باليمين المتطرف خوفا من سرديات وأساطير لا أساس لها من الصحة مفادها ان خطرا خارجيا داهم على أوروبا من خلال المهاجرين، وان مصلحة كل شعب هي في استغلال ثرواته وتغليب هذه المصلحة على الجميع.

وبمنطق الربح والخسارة، أو لنقل بشيء من البروتوكول واللياقة ـ ودون التدخل في الشأن الداخلي للدولة الصديقة ـ أن الانتخابات الفرنسية وبدرجة أقل الانتخابات الاوروبية تعنينا الى حد كبير ليس كتونسيين فقط ولكن كعرب وأفارقة ومتوسطيين.

كتونسيين، نريد ديمقراطية عريقة ملتزمة بالحرية والمساواة والاخوة، وفية لتعهداتها للتونسيين المقيمين على أرضها أولا، ولنا بحكم المصلحة المشتركة والتاريخ الطويل الأليم في بعض محطاته بيننا.

كعرب أيضا، الفيصل بيننا الموقف من الحق الفلسطيني والغرابة أن يتلكّأ اليمين الحاكم في فرنسا واليمين المترشح بقوّة في هذه الانتخابات التشريعية في الدعوة إلى وقف حرب الإبادة الصهيونية على الفلسطينيين في غزة.

إفريقيا، حان الوقت لفرنسا ويمينها بشكل خاص ان يستوعب دروس التاريخ والجغرافيا فالمستعمر الفرنسي لم يعد له مكان في القارة السمراء والجمهورية الفرنسية مرحب بها على قاعدة المصلحة المشتركة مرّة أخرى.

أمّا في المتوسط، وفي بقية أرجاء المعمورة فنحن ننحاز بالضرورة إلى من يشترك معنا في الرؤية الإنسانية لمشكلاتنا وينحاز كذلك إلى الحق الذي يتكلّس حين يقبع في الوسط ولا يعمّر في اليمين ولكنّه قد ينهض وينتعش في اليسار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

بقرار استشاري غير مسبوق حول الإحتلال: «العدل الدولية» تنسف وجود الكيان الصهيوني..!

لا يختلف اثنان في أن القانون الدولي انعكاس لموازين القوى الدولية، وبالتالي فإن كل ما يصدر …