2024-06-26

بإيجابياتها التي لا يمكن إنكارها ووهنها الذي لم يعد خافيا على أحد.. نتائج الباكالوريا نتاج منظومة قديمة يجب تثويرها

قدّمت وزيرة التربية سلوى العباسي أمس الثلاثاء 25 جوان 2024 خلال الندوة الصحفية المعهودة، معطيات إحصائية حول الدورة الرئيسية لباكالوريا 2024، وأكدت أن نسبة النجاح ارتفعت إلى ٪42.20 مسجلة بذلك ارتفاعا مقارنة بدورة السنة الماضية التي لم تتجاوز ٪36.39 ، كما توقفت الوزيرة عند بعض المظاهر السلبية كظاهرة الغش والجدل الذي رافق تصريحها حول التهريب.

والثابت مبدئيا أن نسبة النجاح العامة سترتفع عند إعلان نتائج دورة المراقبة بعد أيام قليلة، لكن الحقائق والمعادلات والاستنتاجات الخاصة بأهم امتحان في النظام التربوي والتعليمي ببلادنا، لن تنقلب رأسا على عقب في تقديرنا سواء في ما يتعلق بترتيب الولايات حسب نسبة النجاح العامة، أو في تصدّر قائمة المتفوقين، أو في توزيع النجاح وفق الشعب وحسب الجنس، لذلك من الضروري الانطلاق من الآن في التفكير بشكل جدّي في أقوم المسالك من أجل إصلاح المنظومة التربوية في بلادنا والمراكمة على مكاسبها وإنجازاتها والعمل على تطويرها وتثويرها.

ولا تحتاج الوزيرة في هذا الباب إلى المقارنة مع السنة الماضية، فهي علاوة على أنها أخذت القطار في محطة متقدمة وهو يسير خلال السنة الدراسية الحالية، فإن «ثوابت» حصاد وزارة التربية يكاد يكون نفسه كل عام، والولايات التي تتذيل قائمة نسب النجاح هي تقريبا نفسها السنة الماضية والسنوات التي سبقتها والخشية أن تظل نفسها العام القادم إذا لم نشرع جديا في الإصلاح.

وعلينا أن ننتبه إلى أن جدول أو خارطة النجاح في الباكالوريا في تونس تتقاطع مع خرائط عديدة أخرى، كخرائط الفقر والتنمية والأمية وغيرها، ويكفي أن ننظر إلى المراتب الأولى أين توجد مندوبيات صفاقس 1 وصفاقس 2 والمنستير والمهدية وسوسة وأريانة ونابل وتونس 1 وتونس 2 وبن عروس وبنزرت وقابس ومدنين وهي مدن الساحل بنسبة نجاح تتجاوز ٪60 فيما ترزح سليانة والكاف وتوزر وقبلي والقيروان وسيدي بوزيد وتطاوين وجندوبة والقصرين وقفصة وهي مدن الداخل المعروفة ايضا بمناطق الظل او المناطق المنكوبة وهي في ذيل القائمة بأقل من ٪40.

وبالرجوع الى معهد الإحصاء نقف أيضا على حقيقة ان أفقر المعتمديات والقرى هي في هذه الولايات التي تنخفض فيها نسبة النجاح في الباكالوريا.

وطبيعي ان ننتشي بنسبة الإناث اللاتي اجتزن امتحان الباكالوريا، ونسعد اكثر بتفوق الإناث في نسب النجاح بل واقتلاع المراتب الأولى في أغلب الشعب (ستة من سبعة).

على أن الأرقام لا تحجب الغابة ولا يمكن التعامل معها بصفة تجريدية أو مطلقة مع التأكيد على جملة من الحقائق التي أصبحت معلومة لدى الجميع وهي تحتاج للدراسة والتثمين لأنها مفتاح النجاح في عملية الإصلاح. وقد يستغرب البعض كيف صمدت الباكالوريا في تونس رغم كثير من السلبيات لعل أبرزها البطالة في صفوف أصحاب الشهائد الجامعية والترويج لقصص نجاح شباب انقطع مبكرا عن الدراسة، علاوة على كلفة الحياة وصعوبة العيش الكريم في المجتمع التونسي اليوم وتفشي الكثير من الظواهر السلبية والعنيفة، أضف الى ذلك غلاء الأسعار وتنامي أخطر ظاهرة يمكن ان تدمّر التربية والتعليم في المستقبل وهي الدروس الخصوصية التي تفتح الباب أمام خوصصة رديئة ومجرمة للخدمة الاجتماعية وتضرب القيم وتسيء الى منزلة المربي.

في هذا الإطار بالذات، يجب ان نثمّن نجاح التلاميذ وجهود أساتذتهم وتضحية عائلاتهم في الولايات التي لم تتجاوز نسبة النجاح فيها ٪40، فالتحدي هو من العيار الثقيل ولو توفرت نفس الحظوظ والظروف لكانت النتائج مغايرة.

وحتى في علاقة بالمظاهر السلبية، فهي تكاد تكون معمّمة وتعكس إلى حد كبير أزمة المجتمع، فظاهرة الغش على سبيل المثال تورطت فيها كل الجهات حسب وزيرة التربية وشملت جميع الشعب مع «تفوق» لشعبة الاقتصاد والتصرف مع تورط الأسرة للأسف في بعض الحالات.

إن القراءة العمودية والأفقية لمختلف الجداول والإحصائيات التي تصدر عن وزارة التربية يجب أن لا تقف عند الحدود الكمية والاستنتاجات السريعة والمتسرعة التي تلقي بالمسؤولية على من هو ليس معنيا بها والحال أننا بصدد الخوض في مسألة وطنية وخيار وطني لمجتمع نريده أن يكون متعلما ومثقفا لا متمدرسا فقط ولا يمكن تحقيق هذا الهدف والوصول إلى التعليم ذي النوعية الجيدة كما توافق عليه المختصون والمرجعيات الدولية ومنها اليونسكو، دون تثوير المنظومة التربوية وتوفير ما يلزم من الاحتياجات المادية واللوجستية التي تبدأ بالترفيع في ميزانية وزارة الإشراف وتبنّي برنامج تعليمي فيه من المضامين ومن طرق التدريس ما يسمح بتربية الناشئة على قيم المواطنة ورد الاعتبار للمصعد الاجتماعي الذي بينت نتائج ولاية صفاقس على سبيل المثال أنه الخيار الأسلم والممكن عندما تكون البيئة مناسبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

بقرار استشاري غير مسبوق حول الإحتلال: «العدل الدولية» تنسف وجود الكيان الصهيوني..!

لا يختلف اثنان في أن القانون الدولي انعكاس لموازين القوى الدولية، وبالتالي فإن كل ما يصدر …