2024-06-26

التفاؤل والفرح وحدهما لا يكفيان : لا بد من خطة وطنية للحفاظ على طاقاتنا وكفاءاتنا

في خضمّ الاجواء المنعشة من الفرح الذي يسود اكثر  العائلات التونسية بمناسبة نجاح أبنائها وبناتها في مناظرات وامتحانات السنة الدراسية التي تنتهي خلال هذه الايام، لا بد من التذكير بعدد من النقاط التي لا يجب ان يحجبها عنا الفرح بالنجاح، ولا التفاؤل الذي يطغى على التلاميذ والأولياء والمربين وحتى على مسؤولي الدولة بهذه النجاحات.

صحيح ان النتائج جيدة، ونسب النجاح مرتفعة، وحتى المعدلات المتحصّل عليها فاقت كل التوقعات بالنسبة لعدد كبير من التلاميذ (النوابغ) في مجالاتهم، وصحيح ايضا ان المدرسة العمومية بكل أصنافها قد استعادت الريادة في ميدان الامتحانات والنتائج، لكن الاصح أيضا ان هناك توجهات جديدة لدى الشباب الناجح، لا نعلم عنها الكثير، وقد تكون الدولة غافلة عنها في خضم الفرحة بالنجاح.

كل التقارير الاعلامية، وحتى الدراسات التي يقوم بها مختصون، اضافة الى صفحات التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام، تشير الى توجّه لم يعد غريبا عن  الشباب الذي نجح، خاصة أولئك الذين تحصّلوا على نتائج متميزة، وهو التفكير في الخروج الى أوروبا وأمريكا والخليج وحتى الصين واليابان.

أولادنا المتفوقون الذين من حق تونس ان تفخر بهم، بات يسيطر عليهم هاجس الهجرة دون غيره، وباتت تونس وجامعاتها ومجالات العمل فيها، لا تكفي لتسد طموحاتهم او تشبع نهمهم لحياة أفضل بكل المقاييس التي يتصورونها، او بالاحرى تصورها لهم حملات الدعاية، والعوالم المفتوحة على الملتيميديا والمعلومة المتاحة بكل الوسائل.

التقارير، بما فيها الرسمية، تقول ان أغلب المتفوقين يغادرون البلاد فور حصولهم على شهادتهم، سواء المتخرجين من الجامعة او حتى حديثي العهد بالباكالوريا، وأغلبهم يستقر في بلدان اوروبا الغربية، خاصة فرنسا والمانيا وايطاليا، وفيهم حتى من يواصل مشواره الى امريكا وكندا وبريطانيا والصين.

وتقول التقارير ايضا ان نخبة النخبة من الناجحين، وهم عادة الذين يقع توجيههم حسب المعدل المتحصل عليه، الى شُعب الطب والهندسة، يغادرون هم أيضا الى الخارج فور تخرّجهم، وحتى من يبقى للعمل في تونس، فانه لا ينفك ينتظر الفرصة المناسبة للمغادرة.

هذا الخطر الحقيقي الداهم، يمكن تصنيفه أيضا بالخطر على الامن القومي، والخطر على المستقبل وعلى الاجيال القادمة، لان أي بلد في العالم لا يمكنه ان يستمر ويستقر، اذا وقع افراغه من كوادره ومن طاقاته المنتجة ومن كفاءاته العلمية والمعرفية. تونس كانت في السابق تجود على كثير من البلدان المستقلة حديثا او المتعثرة في مجال التنمية، بكوادر علمية هامة في مجالات التكوين والتدريب والتدريس والتمريض والنفط والخدمات وغيرها، لكن في اطار قانوني يُعرف بالتعاون الفني الذي تتكفل فيه الدولة التونسية بتوفير عدد محدود من الاطارات لدولة شقيقة او صديقة في اطار اتفاقيات تعاون ثنائي او حتى تحت اشراف منظمات أممية،  لكن الذي يحصل اليوم ان هذه الاطر القانونية قد تراجعت الى أدنى الحدود في مواجهة الهجرة غير المنظمة التي تعتمدها البلدان الغنية من خلال توفير مغريات لا يمكن مقاومتها بالنسبة لشاب يبتدئ حياته حديثا ويشق اولى خطواته في عالم الشغل والانتاج.

وهذا ما يفرض على الدولة التونسية بكل أجهزتها ودوائرها، ان تنتبه أكثر الى هذا الخطر المحدق الذي يحرمها كل عام من آلاف الطاقات القادرة على تقديم الاضافة وتحقيق الفائدة، لو انها بقيت هنا وتوفرت لها الحدود الدنيا التي تلبي طموحاتها، وتوفر لها بالخصوص ما يمكن ان نطلق عليه الطمأنينة والطموح داخل أرض الوطن، والذي للاسف الشديد يجدونها في الخارج، ويذهبون اليه وتُحرم بلادنا من خدماتهم ومما يمكن ان يقدموه.

ان الخطر لم يعد يحتمل مزيدا من التجاهل او الصمت، بل بات يتطلب خطة وطنية شاملة هدفها الاول والاوحد، هو المحافظة على ثرواتنا العلمية، والتمسك بكفاءاتنا وطاقاتنا، من أجل ان تكون سندا لبلادنا في الظروف الاقتصادية الصعبة، والتي قد تزداد صعوبة في قادم السنوات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

بعد التنسيق الأمني الذي أفضى إلى إعادة فتح معبر راس جدير: لا بد من تنسيق سياسي رفيع المستوى حتى يُستأنف النشاط التجاري

بقدر ما كانت عودة معبر راس جدير للعمل، مفرحة ومبشرة لالاف التونسيين والليبيين، بقدر ما كان…