2024-06-22

تأمّلات في الأداء الحكومي.. الإصلاح في إطار الممكن..

ذهبت بعض القراءات في التحوير الحكومي الأخير الذي أجراه رئيس الجمهورية قيس سعيد وشمل وزارتي الداخلية والشؤون الاجتماعية إلى أن الرئيس أراد استبدال أصحاب الحقائب من ذوي الملمح السياسي إن جاز القول، بتقنيّين أو لنقل «كفاءات» تضفي صبغة  «التكنوقراط»  على تركيبة فريق القصبة للتفرّغ لتنفيذ السياسات العامة للدولة، والتخلص بالتالي من كل الذرائع والمعوقات التي تثني الحكومة عن القيام بوظيفتها التنفيذية.

وقد كرّر رئيس الجمهورية في أكثر من مناسبة توجيهاته الى رئيس الحكومة والى الوزراء الذين يستقبلهم فرادى أو جماعات من أجل الجرأة والتقدّم في تلبية انتظارات التونسيين في كل المجالات، وكان يطالب في كل مرة أيضا نواب الشعب بالقيام بالثورة التشريعية إسنادا ودعما للوظيفة التنفيذية التي تمنعها البيروقراطية وتكبّلها الإجراءات الإدارية وتحاصرها مراكز النفوذ وتمنعها اللوبيات من الاضطلاع بوظيفتها على الوجه الأكمل.

والمتأمل بكل موضوعية في أداء الفريق الحكومي بشكل عام والوزراء بشكل خاص، يلاحظ فجوة كبيرة أو لنقل سرعتين بين نسق عملهم والنسق الذي يرجوه رئيس الجمهورية من جهة وتفرضه الأوضاع الراهنة.

لقد برز هذا الأمر على سبيل المثال في حديث وزيرة التربية للإعلام يوم أمس بمناسبة انطلاق مناظرة السيزيام فهي صرّحت بشكل غير مسبوق بشأن طريقة عملها قائلة انها اختارت «إصلاح ما هو موجود في اطار الممكن»، والترجمة الوحيدة لهذه العبارات هي تصريف الأعمال بحجّة أن الاصلاحات التي شرعت الوزارة في إجرائها لا تطال المحتويات ولا تغير المنظومة لأن ذلك من صميم صلاحيات المجلس الأعلى للتربية الذي سيتم تركيزه قريبا على حدّ تعبيرها.

واللاّفت أنها في نفس الحوار الذي أجرته، تشير الى أنه سيتم تغيير البرامج والتخفيف فيها في إطار تخفيف نوعي، مع ضرورة إنهاء اللخبطة وبناء نوع من الاتفاق في هندسة التعلّم وفق ثلاثة أهداف رئيسية أولها تطوير تعليم اللّغات وثانيها التركيز في تدريس الرياضيات وثالثها الاهتمام بمواد التنشئة الاجتماعية التي لم تذكر من ضمنها التربية المدنية التي هي جوهر تكوين الناشئة.

أداء وزارة أخرى لا يقل أهمّية أمام التطورات الحاصلة في موسم الحج لهذا العام، ونقصد هنا وزارة الشؤون الدينية التي لا تعكس ألبومات الصور التي توشح بها الصفحة الرسمية للوزارة حقيقة ما كابده حجاج تونس «الرسميين» و«غير الرسميين»، وهذه للأسف وصفة تبرير وفاة وضياع ومرض عشرات الحجاج في غياب رواية رسمية تعلن بدء عملية تحقيق جدّي من أجل تحميل المسؤوليات في ما حل بالتونسيين في البقاع المقدسة دون تمييز.

والمشكلة مرة أخرى ليست اتصالية فقط وإنما مرتبطة بالأداء ومنهجية العمل وبروح المبادرة والجرأة على تحمل المسؤولية واعتماد الصراحة مع الشعب مايبرر بقوة اعفاء وزير الشؤون الدينية من مهامه.

هذه الأيام، علاوة على اهتمام التونسيين بنهاية الموسم الدراسي وهذه خصلة في مجتمعنا، ينصبّ الاهتمام أيضا على الموسم الزراعي والحصاد الذي يتهدّده أكثر من خطر.

وقد دافعنا سابقا عن ضرورة صياغة استراتيجية وطنية لتأمين المحاصيل والتصدي لكل المشكلات التي قد تطرأ سواء بفعل الطبيعة نفسها أو بفعل فاعل، وها هي الحرائق تلتهم هكتارات من حقول القمح والشعير رغم ان التقديرات تفيد بضعف صابة هذا العام وهو ما يضخّم حجم الكارثة، دون أن ننسى أزمة المياه وحديث البعض عن دخول تونس مرحلة الشحّ المائي أضف الى ذلك هذا الصمت غير المبرّر عن الضرر الذي لحق بنبتة الصبّار (الهندي) رغم أهمية هذا المنتوج الفلاحي في بلادنا سواء للاستهلاك الآدمي أو لاستخراج الأدوية أو كذلك تقديمه علفا للماشية.

على صعيد آخر، استبشر الكثيرون بحجم مدخراتنا اليوم من العملة الصعبة، وبحجم الحجوزات لقضاء عطلة الصيف في بلادنا سواء بالنسبه للسياح الأجانب أو التونسيين المقيمين بالخارج، ونسي أهل الحل والعقد ان العملة الصعبة الموجودة الان في البنك المركزي قد تكون نتاج هذه القروض التي حصلت عليها بلادنا في الفترة الماضية وبداية عودة الجالية.

ومن جهة أخرى لقد كانت السياحة الداخلية ملاذ الدولة لإنقاذ المواسم السياحية في الشدائد، في فصلي الصيف والشتاء، لذلك يستغرب المرء اليوم من غياب الحديث وعدم ايلاء العائلة التونسية ما يليق بها من حقّها في الترفيه والاستجمام.

وعطفا على باب الترفيه والاستجمام، وفي ظل عدم وجود وزير للثقافة، اقتصر الحديث عن مهرجاناتنا الصيفية كالعادة على النجوم الذين سيؤثثون المسارح بتكاليف مهمة كي لا نقول شيئا آخر، وتواصلت كالعادة معضلة المركزية واللامركزية حيث تكاثرت العروض وصرنا نكاد نسمع بمهرجان في كل حي دون ان يكون لذلك أثر في إفادة التونسيين أو النهوض بالثقافة وبشتى أنواع الفنون، فهل سمعنا منذ سنوات بنجم سطع في ركح في مهرجان محلي أو دولي ؟

وحتى بمنطق تصريف الأعمال يتساءل المرء عن خطة وزارة التعليم العالي التي بشّرتنا بنقلة نوعية في الرقمنة واستخدام الذكاء الاصطناعي، لتقييم السنة الجامعية المنتهية والاستعدادات للسنة الجديدة ولِم لا تقديم أفكار حول إصلاح التعليم العالي في انتظار إرساء المجلس الأعلى للتربية.

ونحتاج في هذا الظرف أيضا إلى سماع وزير التشغيل خصوصا وأن سوق الشغل ستعرف دفعة جديدة من طالبي العمل من خريجي الجامعة التونسية الذين يعدّون بالآلاف، وهو ما سيضخّم مرة أخرى حجم العاطلين عن العمل ويفاقم نسبة البطالة ببلادنا.

ومثلما يحتاج الشباب الطالبي إلى توضيح الرؤى فان الشباب عموما يحتاج إلى نوافذ لإبراز القدرات في المجالات الإبداعية الرياضية، وعندما نشاهد مظاهر العنف في المباشر في ملاعبنا المهترئة بطبعها، وعندما نتابع هذه الأزمة العاصفة بجامعة كرة القدم وأغلب الجامعات الرياضية، وعندما نكتشف ان رياضيا من النخبة قد «حرق»، ولا نلمس في أداء الوزارة ما يفيد وجود تفاعل مباشر وجريء لتغيير الأوضاع فهذا خطر داهم لا يمس مشروع رئيس الجمهورية فحسب ولكن يستهدف في العمق الناشئة والمجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

بقرار استشاري غير مسبوق حول الإحتلال: «العدل الدولية» تنسف وجود الكيان الصهيوني..!

لا يختلف اثنان في أن القانون الدولي انعكاس لموازين القوى الدولية، وبالتالي فإن كل ما يصدر …