2024-06-20

رغم اليقظة المستمرة والمراقبة المشددة : الحرقة ماتزال كابوسا يسيطر على سواحلنا

أرقام مهولة واعداد تفوق الخيال، مآسي انسانية تذهب في قاع البحر وأخرى تنتظر الأجل المحتوم، صراع كل يوم وكل ساعة بين الراغبين في الهجرة، الحالمين بجنة الضفة الأخرى، وبين القائمين على حماية السواحل التونسية.

في آخر بياناتها، يوم الاثنين الفارط، أعلنت الادارة العامة للحرس الوطني أن الوحدات الأمنية “تمكنت من احباط 59 محاولة اجتياز للحدود البحرية خلسة.” وهو رقم خيالي في ظرف يومين فقط، دون الاخذ بعين الاعتبار العمليات التي نجحت ولم يتم احباطها، وهو ما يبين حجم هذه الظاهرة وكثرة المتعاطين لها والمتداخلين فيها، سواء من تونسيين أو أفارقة جنوب الصحراء، وما يتحوز على هامشها من شبكات ووسطاء وأصحاب مراكب ومحترفي تهريب البشر. الادارة قالت ايضا في نفس البلاغ أنها قامت في نفس الفترة “بنجدة وإنقاذ 1806 مجتازين (بينهم 18 تونسيا والبقية من جنسيات إفريقيا جنوب الصحراء) كما تم انتشال جثتين آدميتين والاحتفاظ بـ 24 نفرا مفتش عنهم من منظمين ووسطاء. كما تم حجز مراكب ومحركات بحرية يتم استغلاها في عمليات الإبحار خلسة”. قد يذهب البعض الى تفسير الظاهرة على أنها مصطنعة او مقصودة او لها غايات أخرى لا نعلمها او مخططات تُحاك في الغرف المظلمة كما يقال، لكنها ببساطة عملية هروب جماعي من الفقر والجوع الى ضفاف أخرى اعتقدوا واهمين، وزين لهم الاخرون، انها جنات عدن تجري من تحتها الانهار. هذا الهروب يحدث من كل بلدان العالم وفي اتجاه كل بلدان العالم أيضا، وقربنا الجغرافي من أوروبا وحده الذي جعل بلادنا هدفا لكل العابرين، ومركز “تجميع” لهذه الحشود البشرية، سواء التي تسير تلقائيا عبر الصحاري والوهاد، أو تلك التي تحرص شبكات التهريب والجريمة المنظمة، على ايصالها الى تونس بطرق مختلفة، وتجمّعها في انتظار غفلة من الحرس او ريح مؤاتية. وبالمتابعة اليومية لاخبار (الحرّاقة والحارقين) وبلاغات الحرس الوطني، ووسائل التواصل الاجتماعي، يمكن الاستنتاج ان هذه الظاهرة قد تحولت الى آفة/أزمة، يجب التفكير جديا في ايقاف نزيفها، ووضع حد نهائي للكوارث المنجرّة عنها، والمآسي التي تخلّفها، وحتى الاحراجات في العلاقات الخارجية لتونس، التي يعرف العالم كله انها تتعرض لضغوطات رهيبة من الاوروبيين، الذين يفكرون فقط باننا يجب ان نكون حرّاسا لسواحلهم ونمنع عنهم هذه التدفقات البشرية التي حرموها من ثرواتها واستنزفوا خيراتها ولا يريدونها اليوم بينهم. ولا شك ان الحلول التي تحاول الدولة التونسية توفيرها للحد من الظاهرة، وخاصة لتخفيف المآسي الناتجة عنها، تُذكر فتُشكر، ولا يمكن الضغط على تونس لاجهاد أجهزتها وميزانيتها أكثر من ذلك، وتبقى الان المسؤولية الحقيقية على الدول المصدرة لهذه المجاميع البشرية، والدول التي لها حدود مع تونس. وكي ينزاح هذا الكابوس المرعب عن سواحلنا وحدودنا البرية لا بد من تكاتف كل الجهود، والتنسيق مع الدول المحادّة، لانها وحدها التي يمر عبرها هؤلاء، فنحن لا تربطنا حدود مع زامبيا ولا بوركينا فاسو ولا حتى زيمبابوي، وكل هؤلاء يأتون الينا عبر بلد آخر. وهو كابوس تشترك فيه عديد الاطراف، اولاها شبكات تهريب البشر والاتجار في مآسي الانسان، وثانيها الدول التي تغض الطرف عنهم بشعار “أخطا راسي وأضرب” وثالثها التهاون في بعض المعابر والمسالك، ورابعها الارضية التي توفرها عصابات التهريب المحلي التي انتعشت ميزانياتها وأصبحت تقريبا دولية، بما تتوفر عليها من أموال ومراكب ووسائل مراقبة وعلاقات وشبكات. هذه العناصر الاربعة يجب تفكيكها والقضاء عليها في اطار مقاربة انسانية توفر الحد الادنى من كرامة المهاجر كانسان وليس كرقم للاستغلال او الالقاء به في قاع البحر، حتى تنزاح عن تونس هذه الغُمّة التي لم تستثن من مآسيها التونسيين ولا الافارقة ولا جنسيات أخرى، فهي آفة عامة تفتك بالبشر بلا رحمة، ومن العار على بلادنا أن تكون في قائمة الدول المأزومة بأوضاع انسانية لا دخل لها فيها، بل وتبذل قصارى جهدها لمقاومتها والحد منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

يمكن القياس عليها وتعميمها على سائر البلاد : خطة وطنية لضمان التزود بالماء الصالح للشرب

مع اشتداد موجة الحرّ، ومع الانطلاق الفعلي في الاستغلال المكثّف للماء، يبدو أن لا مناص امام…