2024-06-04

على هامش «دربي العاصمة» بملعب  رادس ..عندما يكون العنف أكبر من أسبابه..!

ما حدث أول أمس الأحد في «دربي» العاصمة بـ «ستاد رادس» من عنف ومن اصطدام وصل الى منتهى خطير بين الأمن والجمهور إنما يدعو الى طرح عديد الاسئلة المتعلقة بالبلد وحال البلد وامكانيات التعايش السلمي بين مواطنيه وعن هذا المشترك القيمي الذي انفرط عقده وأصبح من الصعب اعادة وصل حلقاته التي ضيّعتها سنوات السياسات العشوائية التي وفدت على تونس ما بعد ثورتها وساهمت في تقسيم التونسيين إمّا على أسس هووية وإمّا على أسس انتماء حزبي وقبلي أو مناطقي ما ضرب ما يسميه علماء الاجتماع «فكرة الانتماء الكبير للوطن» في مقتل وما حوّلها الى فكرة مبتذلة وما حوّل قيم المواطنة ـ أيضا ـ الى قيم فارغة بلا محتوى ولا تعني شيئا لدى فئات شاسعة من المجتمع التونسي… وقد وجدت هذه «القيم الجديدة» الأرضية مواتية لتتغذى ولتتوسّع ولتنتج بدورها «سلوكا» لا يبتعد كثيرا عن «السلوك الاجرامي» كالحقد والكراهية زائد انحرافات تحوّلت الى ظواهر بل الى تمارين يومية في شوارع العاصمة على غرار «البراكاجات» ـ صباحا مساء ـ والعنف في المدارس وحالات الاصطدام الذي وصل الى جرائم قتل بين التلاميذ والاطار التربوي اضافة الى تفشي المخدرات في هذا الوسط المدرسي الذي تحوّل الى وسط طارد لقيم المعرفة والتعليم والتربية التي تدرب الناشئة على فكرة «الانتماء الكبير للوطن» وفي المقابل توسعت دائرة الامية في المجتمع التونسي ووصلت الى أرقام خيالية بلغت 2 مليون أمي وهذا الرقم اعتبرناه في ورقة سابقة الأخطر على أمن تونس وعلى مستقبلها وعلى سلامتها «فالأمية» يمكن ان تتحول الى «فخاخ لاهوتية وإجرامية» مدمرة للمجتمع ومؤسساته ما لم يتم احتواؤها بكل أشكال وأساليب الاحتواء المجتمعي (وهذه مسألة على غاية من الخطورة نعود اليها في غير هذا السياق) ولا نغفل وسط كل هذا، العنف ضدّ المرأة حيث تعدّدت جرائم القتل ضدّ النساء..

فكيف تحول المجتمع التونسي من مجتمع متسامح يسعى وراء فكرة التعايش المشترك الى مجتمع طارد لكل «الافكار السلمية»…؟ كيف تحوّلت «فكرة الخلاص الجماعي» من فكرة مجتمعية الى فكرة أنانية لا تؤمن بغير «الخلاص الفردي…»؟ كيف تحولنا من مجتمع المعرفة الى مجتمع «نافر ومنفّر» وطارد للمعرفة… المعرفة بكل أشكالها من علوم وآداب وفنون…؟

كيف نفهم كل هذا…؟ وبأي مقاربة نتعاطى معه وكيف نقرأه…؟

أولا ـ وحتى نفهم ـ لا بد من التأكيد ـ هنا ـ على أنه لا يمكن التعاطي مع احداث العنف التي وقعت في «ستاد رادس» أول أمس الاحد في «دربي العاصمة» على أنها احداث معزولة «لشرذمة من الشباب الضال» فهذه «قراءة تعويمية معزولة وسطحية» من شأنها «تأصيل ظاهرة العنف» بما يجعل منها «سلوكا بشريا سليما» يمكن التطبيع معه وعليه فإننا نؤكد على أن «أحداث ملعب رادس» لا يمكن أخذها أو التعاطي معها من خارج السياق العام الذي تحدثنا عنه وبمعزل عن معطياته وعن قيمه الجديدة… فما حدث هو صورة مكثفة لكل أشكال العنف في شوارع تونس وفي المدارس الابتدائية والمعاهد الثانوية وفي الفضاءات العامة… وعليه فنحن ـ هنا ـ أمام صورة مجتمعية مرتدة تشبهنا وتدل علينا وهي تتكرّر في كل الفضاءات التونسية بأقل حدّة ـ ربما ـ لكنها ـ  في الأخير ـ غير معزولة عن بعضها وإنما هي تشكّل حلقات متفاوتة في حجم وفي درجة العنف المتبادل وهو عنف عشوائي في أغلب الأحيان وأكبر من أسبابه…! وعليه فما وقع من عنف في «ستاد رادس» هو نفس العنف الذي يمارسه التونسيون بأشكال مختلفة مع فارق ضئيل في المكان وفي الزمان وفي الحمولة.. وبالتالي فإن البحث عن حلول لانهاء هذه «الانتكاسة المجتمعية» لا يمكن ان يحدث بمعزل عن واقع المجتمع التونسي اليوم وبأكثر وضوح فإنه من غير الممكن أخذ «واقعة رادس» على أنها «واقعة رياضية» معزولة وإنما هي «واقعة مجتمعية» من صميم «التشنج العام السياسي والمجتمعي والامني» ومن صميم حالة الاحباط التي يعيشها الشباب وراكمها على امتداد عشرية ونيف وهي أيضا من صميم هذا الفراغ السحيق لما يسمى «فضاء عاما» والذي انسحبت منه كل القوى الفكرية والأكاديمية وتركته «للمتكلّمين الجدد» من المتهافتين ممّن تقدموا الصفوف بعد تواري ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي «اميل دوركاهيم» «المثقف النقدي» الذي قطع صلته بقضايا المجتمع والدولة بعدما تم طرده أو تهميشه وبعدما استحال النقاش وانعدم الحوار داخل «الفضاء العام» الذي تحول الى فضاء فارغ بلا محتوى ولا مكان فيه لغير «المثقف الانتهازي»و«المثقف الشعبوي» و«المثقف المتهافت».. وما حدث في «ستاد رادس» نفهمه من داخل هذا الفراغ ومن داخل هذه الهوّة أو الفجوة السحيقة بين مجتمع المعرفة الذي تمثله النخب السياسية والأكاديمية والثقافية والتي عزلت نفسها بعيدا عن قضايا المجتمع والدولة…

لقد قلنا أكثر من مرة وفي أكثر من سياق بأن الأمية والتي تبلغ 2 مليون في تونس هي الخطر الداهم الأكثر خطورة على تونس ومستقبلها ويمكن لهذا الرقم ان يتحول الى «فخاخ لاهوتية» أو «فخاخ إجرامية» تحاصر المجتمع ما لم تدرس الظاهرة من مختلف جوانبها وبشكل استعجالي…

وكلّنا يعلم ان الانقطاع الكبير والمبكر عن الدراسة قد حصل في السنوات الأولى من الثورة وعلى امتداد العشرية الأخيرة ومن كانوا أطفالا سنة 2011 هم الآن في سن المراهقة وأغلبهم انقطع مبكرا عن التعليم وقد تربوا على مقولات العنف والحقد والتقسيم  وعلى سياسات انتهازية غنائمية وعلى قيم الخلاص الفردي وعدم الانتماء «لفكرة الوطن» ولا لقيم المواطنة وهؤلاء جمهور الكرة الذي يمارس عنفا عشوائيا أكبر من أسبابه…

وما حدث في رادس الأحد الفارط سبق وأن حدث بأكثر عنف وبأكثر صدامية بين الأمن والجمهور… والأمر سيتكرّر لا محالة… فالفراغ سحيق ولا أحد ينصت للآخرين… والآخرون نحن أو هم.. فقط ثمّة تفاوت في الأدوار والمواقع فكلنا متشابهون في الأخير…!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

اليمين المتطرف يتسرّب من داخل«خسارات ماكرون»..!

مُنِي الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» بهزيمة مدوية في انتخابات البرلمان الأوروبي التي جرت…