2024-05-18

مؤلّفات «هالة وردي» عن أيام محمّد الأخيرة والخلفاء : عناوين مثيرة في قلب السجالات حول وضع الإسلام و«المحمديين» في العالم

ألّف الشاعر والمفكّر التونسي الرّاحل»عبد الوهاب المؤدب» كتابا سنة (2001م)، وسمه بعنوان (La Maladie de l’Islam)، ثمّ قام المؤلف بترجمته بصحبة الشاعر المغربي «محمّد بنيس»، ونشراه في دار النهار للنشر، بيروت، في 2002م تحت عنوان»أوهام الإسلام السّياسي».

تذكّرت هذه الحادثة لدلالتها الهامّة في حرص مفكّر كبير مثل «عبد الوهاب المؤدّب» على أن يقرأ مؤلّفه في محيط الثقافة العربية الاسلامية بعيدا عن كلّ إثارة أو صدمة يمكن أن يثيرها المؤلّف لو ترجم عنوانه حرفيا بـ«مرض الإسلام» وذلك لأنّه لم يقصد ذلك المعنى الحرفي غير المناسب  وإنما قام بتفكيك عجز الخطاب السلفي والأصولي المريض عن استعادة صورة قديمة عن ممارسات وأفكار فقدت كلّ صلاحية تاريخية ومعرفية.

وتقديرنا «هالة وردي» في سياق توجّهها لمحيط القراءة الفرنكفونية باعتبار نشرها لكتبها بالفرنسية في دور نشر فرنسية»آلبان ميشال» وتونسية»سيراس للنشر» قد اختارت بذكاء اتصالي كبير عناوين على غاية كبيرة من الإثارة  كانت بدايتها الصّادمة مع العنوان الأوّل» Les Derniers jours de Muhammed.enquète sur la mort mystèrieuse du prophète. وترجمته الحرفية«أيام محمّد الأخيرة بحث عن الموت المريب للنبي». ثمّ تلته بثلاثية حملت عنوانا رئيسيا واحدا هو»Les Califes maudits» ولكم أن تتصوّروا في حال ترجمته الحرفية بـ«أيام محمد الأخيرة» و «الخلفاء الملعونون» في محيط ثقافي عربي/اسلامي ما يزال يحمل تقديرا دينيا للنبي محمد الذي لا يذكّر إلا بالصلاة عليه ولهذه الشخصيات وهؤلاء الصّحابة من المبشّرين بالجنّة و الذين ينعتون كما جرى الاستعمال بـ«الخلفاء الرّاشدون» خصوصا في العالم السّني.

في إعادة كتابة السّير ورهاناتها الإيديولوجية

ونعتقد  أيضا أن تركيزها على إعادة سرد منظّم ومتسلسل لما تمّ  الإخبار عنه عن ظروف موت النبي محمد عليه السّلام في المصادر القديمة وأيامه الأخيرة (وهي أخبار مبثوثة أعادتها كما هي وإن في شكل مختلف كما تؤكّد ذلك) قد وسّع من دائرة قرّائها وجعل مؤلّفها مطلوبا وما يزال من قبل قرّاء غير مختصين ولا مهتمين عادة بالدّراسات البحثية عن سير الأنبياء  ولكنّ أثارهم الموضوع وعناصر الغرابة والطابع التشويقي«البوليسي» فيه خصوصا وأنّه يتصل بشخصية مثيرة ما تزال تحكم برسالتها في العالم ولها مريدون ومؤثّرون في السياسات الإقليمة والدّولية ونعني بذلك شخصية»محمد» الاستثنائية. ومعلوم لدى المتابعين لما ينشر في العالم أنّ هناك طلبا كبيرا على عناوين تتصل بما يعرف بـ«أسرار الساعات بل الدقائق الأخيرة لموت هذه الشخصية أو  تلك من مشاهير ونجوم عوالم السياسة والفنّ والمال» وغير ذلك. ولا أدلّ على ذلك من الرّدود التي زادت في الطلب على الكتاب والبحث عنه بداية من منع تداوله بـ«السينغال» منذ نشر الكتاب الأوّل سنة 2016 وعدد من البلدان العربية والاسلامية وصولا إلى ردود فعل وسائل الإعلام الدّولية التي جعلت منه عنوانا بارزا في نشراتها ومتابعاتها الإخبارية بالإضافة طبعا إلى ردود فعل الأكاديميين والباحثين المختصين في السّيرة النبوية ومن أشهرها النصّ الذي نشره الرّاحل«هشام جعيط» بجريدة الصّباح والذي اتهم فيه الباحثة بالتحيّل ومنها أيضا ردود فعل باحثين مثل «نايلة السلّيني» وخصوصا «حسن بزاينية» الذي نشر كتابا نشرته دار «مسكلياني» تحت عنوان «فتنة السّيرة ومعارج الإبهار: أيام محمّد الأخيرة لهالة وردي أنموذجا» ختمه باستنتاج صادم جاء فيه«إن كتاب«هالة وردي» أيام محمد الأخيرة أنموذج للكتب التي لا ينبغي تصنيفها إذا أردنا أن نفحص عن نشأة الإسلام فحصا علميا» ص،131.

ولعلّه من المهم أن نشير إلى ما تتمتّع به الأستاذة «هالة وردي» من جرأة في اختيار هذه المواد البحثية وفي عنونتها ولو بـ«الفرنسية» إذ من المعلوم لدى الجميع مدى حساسية هذه القضايا وخطورتها ويكفي أن نذكّر فقط بأن«سلمان رشدي» ورغم مرور سنوات طويلة عن نشره روايته«الآيات الشيطانية» قد تعرّض منذ فترة قريبة لمحاولة قتل وذلك على خلفية الفتوى التي أصدرها«الخميني» بإهدار دمه. ومن يقومون بهذه الرّدود الانفعالية الهمجية لا يعرفون محتوى هذه الرّواية ولا غيرها من الكتب ولكن تقودهم جهات ومراكز قوى ما تزال تستثمر سياسيا في الرّصيد الدّيني الاسلامي وتريد تزعمه واحتكار الدّفاع عنه والتكلم باسمه.

«هالة وردي» ما لها وما عليها

لا يتسع المجال في هذه المساحة لتقديم متسع لهذه الكتب ولكن حسبنا أن نشير إلى أن أهداف«هالة وردي» منها لا تبتعد في جوهرها عن أهداف عدد كبير ممّن كتبوا في السيرة المحمّدية وفي سير الخلفاء وما جرى في ذلك القرن الأوّل من أحداث فارقة خصوصا ممّن تجاوزوا النظرة التمجيدية و«السلفية» ودقّقوا في التّاريخ وحقّقوا فيما وصل إلينا بالاعتماد على ما هو متاح من علوم ومناهج فضلا عمّا وصل إليه كبار الباحثين سواء من المستشرقين أو العرب على غرار «معروف الرّصافي« و«شعبان محمد عبد الحي»و»هشام جعيط» «عفيف الأخضر» من العرب أو من المستشرقين مثل «نيودلكه» .

فهي أي«هالة وردي» قد نجحت في إبراز الجوانب الإنسانية والمادية والتّاريخية لسيرة النبي محمد والخلفاء وكيف أثّرت معطيات البيئة والجغرافيا والخلافات السياسية والقبلية الحادّة وحروب الرّدة والصّراع على الخلافة والسّلطة في كلّ الأحداث التي جرت بين بشر لا يختلفون عن البشر وعن الزعماء في فترات مختلفة من تواريخ الانسانية. وكان هدفها كما غيرها ممّن ذكرنا بعضهم التحرّر من القراءات الإيديولوجية التي حوّلت الإسلام إلى آلة حرب وتكفير وقتل كما ظهر ذلك مع التنظيمات المتشدّدة من الإخوان وصولا إلى «داعش».  وبالإطلاع على ملاحظات أساتذة قسم الحضارة في تونس ومنها مؤلّف«حسن بزاينية» نلاحظ أن معظم الاعتراضات كانت منهجية وعلمية تتصل خاصة بكتابة «هالة وردي» في غير اختصاصها فهي»أستاذة آداب ولغة فرنسية» وتسرّعها في نشر كتب خلال فترة محدودة مع أنّ غيرها قد قضى عمرا كاملا في بحثها إضافة إلى اندفاعها نحو الإثارة بالتركيز على أخبار وقصص وأخبار لم تفهم في سياقها الخاص المتعلّق ببناء دولة وهوية كانت مضطّرة لأشكال من العنف والإقصاء لخصومه وأعدائها. و(هذا ما حدث تاريخيا مع كلّ عمليات التأسيس) ومن ذلك أن ما جرى عند موت الرّسول ودفنه كان في ما حدث منه من ارتباك ونسيان لـ«جثمانه» وصراع حول خلافته إنّما بسبب الحرص على أن لا تضيع رسالته ودعوته.

ويشير الأستاذ حسن بزاينية إلى عدد من الأخطاء التي وقعت فيها «هالة وردي» بسبب عدم اختصاصها فيكتب«إذ دفعتها العجلة في اصدار الكتب (ثلاث كتب في ثلاث سنوات) وهي غير المختصة بالتاريخ ولا الحضارة الاسلامية إلى عدم تعيير المصادر التّاريخية فلم تفرّق بين المتقدّمة والمتأخّرة ولا بين الدّينية كمسلم وابن حنبل والتّاريخية كالطبري وما يقع بينهما كـ«طبقات ابن سعد وهكذا جاءت هوامشها سمينة في أكثر من مائة صفحة، سمن لم يغن من علم فتكديس المصادر على تلك الطّريقة لا يضيف شيئا» ص،126. ويرى «بزاينية «أن «وردي» قد قفزت على مساهمات المجموعة العلمية الفرنسية ولم تعبأ بجهود زملائها في الجامعة التونسية واستعجلت الحكم في مسائل خلافية مثل جزمها بأن اسم «محمد» لم يكن معروفا على عهد الرّسول كما عاب عليها تبنيها لأفكار وأطروحات مستشرق معروف بنزعته التبشيرية  وتحامله على النبي وآل بيته وهو«لامنس» ووصل الأمر حد اتهامها بـ«استرضاء دوائر اسلاموفوبية فرنسية» كما اتهمها بالسطو على جهود «بريمار» وبخاصة في كتابه«تأسيس الإسلام» (2002).

على سبيل الخاتمة:

ليس من غرضنا الحكم لـ«هالة وردي» أو عليها ولكن تقديرنا أنّها نجحت اعلاميا في أن تكون أعمالها المنشورة في قلب السّجال والرهانات الدولية حول وضع الإسلام والمسلمين في فرنسا والعالم وذلك ما يفسّر حجم الاهتمام بها في الأوساط الفرنكفونية عموما  وعضويتها في بعض مؤسساتها الأوروبية وسواء أرضت نزعات الإسلاموفوبية أو أصابت التنظيمات السلفية والأصولية في مقتل كما يتهمها «خصومها» بذلك أو حطّمت الصورة الأسطورية عن النبي محمد وصحابته فإن ما ينبغي التأكيد عليه هو ضرورة تخليص مثل هذه المباحث والقراءات من كلّ عناصر الإثارة والاستفزاز والإسقاط بكلّ اتجاهاتها ودراستها (هي وغيرها ممّا يتصل بسير الأنبياء والحضارات) في سياقاتها التاريخية والمعرفية بصورة موضوعية «متفهّمة» بعبارة«جعيط» لا تمجّد ولا تأسطر كما لا «تحقّر» أيضا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

في مكتبة «الصحافة اليوم» : «مقهى المعوقين» للكاتب التونسي «الأسعد بن حسين»: في فتنة المحكي اليومي وغرائبه

ممّا استقرّ عليه الرأي لدى معظم الدّارسين أن أبرز مكوّنات وشروط القصّة القصيرة النّاجحة فن…