2024-05-18

في انتظار القطع مع كل أشكال التشغيل الهش : المــــعــــانــــاة مــــســــتـــمـــرة ..!

يمثل ملف التشغيل تركة ثقيلة للحكومة الحالية ظلت عالقة منذ سنوات ولطالما  مثل نقطة ضغط «سياسية» لدى الحكومات المتعاقبة التي استخدمته في مختلف المحطات الانتخابية.

وقد سعت الحكومة بقيادة أحمد الحشاني إلى إيجاد الحلول والحسم في ملف آليات التشغيل الهشة التي اعتمدتها حكومات ما بعد ثورة 2011 كمسكّن لإسكات الأصوات المحتجة، وأعلنت حكومة الحشاني تسوية وضعيات عمال الحضائر وقامت بتوزيع عملة الدفعة الثانية الذين تعذّر عليهم الحصول على تعيين عبر المنصّة الرقمية، وذلك على المراكز الشاغرة المتبقية وفقا للتراتيب الجاري بها العمل.

وبالرغم من أن المهتمين بالشأن العام في تونس كانوا قد ثمنوا الخطوة الحكومية من حيث وضع حد للجدل الذي رافق الملف المتوارث، إلا أن أغلبهم تساءلوا عن حقيقة إيفاء السلطة بتعهداتها المالية، خصوصا وأن عملية إدماج هؤلاء في عدد من الإدارات والمؤسسات الرسمية مستنزفة لخزينة الدولة.

لا شك أن قرار إغلاق ملف عمال المناولة او الحضائر الذين يقدرون بالآلاف خطوة مهمة في أبعادها الاجتماعية والإنسانية والنفسية إلا أن هذا لم يقطع مع التشغيل الهش الذي دعا رئيس الدولة قيس سعيد الى القطع معه في أكثر من مناسبة مشددا على ضرورة الإسراع في وضع تشريع جديد يضع حدا لما يسمّى بعقود المناولة، التي وصفها بأنها «نوع من الرقّ… لا تترك أي أمل في بناء مستقبل آمن لمن يعمل في إطارها». وقال سعيّد إن «السلم الاجتماعي لا يمكن أن يتحقق إلا بالعدل والإنصاف، لا بآليات وعقود لا عدل ولا إنصاف فيها».

167 عون يطالبون بتسوية وضعياتهم!!

بالرغم من حرص الرئيس في خطاباته على القطع مع كل أشكال التشغيل الهش إلا أن فئة كبرى مازالت تعاني وتتقاضى رواتب لا ترتقي إلى مستوى المنح حيث إنها لا تتجاوز الأجر الأدنى المضمون، وفي هذا الإطار تتنزل صيحة الفزع التي أطلقها الأعوان المتعاقدون بالأجر الأدنى المضمون، على اعتبار الوضعيات الاجتماعية الصعبة التي يعانون منها منذ سنوات مطالبين بتسوية وضعياتهم في أقرب وقت.

وقال نجيب الحفصي وهو متعاقد في نظام الأجر الأدنى، ومتحدث باسم أعوان وزارة الشباب والرياضة، الذين يبلغ عددهم 167 عون في تصريح لـ«الصحافة اليوم» إن الأعوان السالف ذكرهم يتقاضون أجرا لا يتجاوز 429 دينار، واصفا هذا الأجر بغير المضمون.

وأشار إلى أن رئيس الجمهورية صرح ودعا إلى القطع مع عقود التشغيل الهشة، لكن ما راعهم إلا وقد وقع تجديد عقودهم (الهشة) في مارس 2024. وأضاف الحفصي أنه كان من المنتظر أن يقع تنظيرهم في سنة 2015 كل حسب شهادته العلمية، لكن إلى اليوم لم يحدث ذلك، مؤكدا أن هناك أعوانا لهم شهائد دكتوراه في وزارة الشباب والرياضة يتقاضون أجرا بقيمة 429 دينار.

ولفت إلى أن تسوية ملفهم تعطلت على اعتبار أنه ملف وطني ويجب توحيد الملفات، وأنهم في انتظار تأشير رئاسة الحكومة ووزارة المالية، داعيا إلى الكف عن التسويف والإسراع في حل هذا الملف. وأشار إلى الوضعيات الاجتماعية الصعبة لأعوان العقود الهشة، مبينا أن الميزانية مرصودة لكن ما يزال الملف معطلا.

وناشد المتحدث باسم الأعوان المتعاقدين بالأجر الأدنى المضمون سلطة الإشراف ومن ورائها رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية بضرورة تسوية وضعية 167 عون عاجزين عن توفير الحياة الكريمة لعائلاتهم بسبب ضعف الأجر الذي يتقاضونه والذي وصفه «بالمنحة» التي لا تكفي مصاريف أسبوع ولا تفي بالحاجة في ظل غلاء المعيشة وقال «نشتغل 48 ساعة أسبوعيا دون أدنى تمتع بحقوقنا المشروعة ولا بالزيادات التي يكفلها الدستور». وتابع محدثنا «نرجو من السيد وزير الشباب والرياضة التعجيل بتنظيرنا حسب الشهائد العلمية وتمكيننا من حقوقنا في مسارنا المهني». واعتبر نجيب الحفصي أن الأعوان المتعاقدين بالأجر الأدنى المضمون مازالوا يراوحون مكانهم إلى الآن لعقود من الزمن رغم الشعارت التي أطلت علينا بها ورفعتها الثورة، شغل حرية كرامة وطنية… وقال «فأين نحن من ثورة الكرامة رغم أن  جميع آليات التشغيل الهش التي جاءت إبان الثورة 14جانفي قد تمت تسوية وضعيتها مثل الآلية 16 والآلية 21 وصولا إلى عمال الحضائر فأين نحن من هذا والحال أننا مازلنا نتحصل على أجر لا يتعدى 429دينار».

تحديات كبرى أمام الحكومة!!!

إن تسوية وضعية عمال الحضائر وإلغاء المناولة من القرارات المهمة التي اتخذتها الحكومة الحالية بتعليمات رئاسية لكن تبقى مسألة القدرة على الإيفاء بالجوانب المالية لهذا الإجراء محل تساؤل العديد من المتابعين للشأن العام وخبراء في الاقتصاد لا سيما وأن التشغيل الهش لا يشمل عمال الحضائر والمناولة فقط بل هناك فئات أخرى مازالت تتقاضى أجورا زهيدة كعاملات وعمال القطاع الفلاحي  وعدد من القطاعات الأخرى التي تقوم بتوظيف عمّال لتقديم خدمات كالحراسة والتنظيف، وفق عقود تلتزم بموجبها بإنجاز المهام أو الخدمات المطلوبة منها؛ وتُسمّى أيضا شركات التوظيف الوقتي، ومن هنا لا يبدو أن إدماج عمال المناولة ضمن الوظيفة العمومية قرار سهل للحكومة، التي تكافح بدورها من أجل الخروج من الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة  وتدرك أن زيادة عدد العاملين سيزيد كتلة الأجور ويُثقِل كاهل الميزانية العمومية المنهكة أصلا.

وبالتالي ستكون حكومة أحمد الحشاني أمام تحديات كبرى لإيجاد الحلول الكفيلة بالقطع النهائي مع كل أشكال التشغيل الهش في البلاد خاصة بعد فشل الحكومات المتعاقبة في إرساء منوال تنموي واقتصادي ووضع استراتيجيات لازمة لمعالجة الأزمات ومحاربة الفقر والبطالة.

ولعل تصريحات وزير الشؤون الاجتماعية مالك الزاهي على هامش احتفالية الوزارة بعيد الشغل في وقت سابق تتنزل ضمن مساعي الدولة نحو حل ملف التشغيل الهش حيث أكد الزاهي التزام السلطة التونسية بالقضاء على كل مظاهر التشغيل الهش، مشيرا الى التقدم الحاصل في هذا الصدد.وأشار الزاهي أيضا في نفس الإطار إلى أنه  تم تشكيل لجان على مستوى رئاسة الحكومة بمشاركة الوزارات المعنية تعمل على دراسة ملفات التشغيل بالمناولة وتطوير التشريعات بما يجعل عقود العمل حافظة لحق العمال وقال«سيتم القضاء نهائيا على جميع وضعيات التشغيل الهش في القطاع العمومي وتسوية الوضعيات».

وعود والتزام وقرارات الحكومة الحالية حول تقدمها بخطوات ثابتة نحو إيجاد حلول للتشغيل الهش والقطع مع كل مظاهره تعتبر نقطة ضوء لفئة كبرى من المجتمع تعاني الويلات ولم تعد قادرة على مجاراة نسق ارتفاع الأسعار أمام ضعف مقدرتها الشرائية التي تدهورت بشكل لافت …. فمتى تتحول كل هذه الوعود إلى أمر واقع. .؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

وضع مؤسف وكارثي تشهده  عديد الشواطئ  التونسية مع انطلاق الموسم الصيفي : تسجيل  20حالة وفاة  غرقا من غرة ماي إلى غاية 17 جوان الجاري

بلغ عدد الغرقى بالشواطئ التونسية، خلال الفترة الممتدة من 1 ماي إلى غاية 17 جوان الجاري، 20…