2024-05-17

على هامش إضراب المحامين ووقفتهم الاحتجاجية.. رفقا بتونس..فهي جديرة بأن تعيش فوق الأرض وتحت الشمس..!

نفّذ المحامون أمس الخميس 16 ماي 2024 في كامل تراب الجمهورية إضرابا عاما وطنيا تخللته وقفة احتجاجية أمام قصر العدالة بالعاصمة وذلك احتجاجا على ما يتعرّض له عدد من المحامين علاوة على ما حصل من تدافع بين المؤسسة الأمنية والمحاماة وبلغ ذروته باقتحام دار المحامي في مناسبتين خلال الأيام القليلة الماضية.

ويأتي هذا التصعيد في سياق وطني دقيق كانت فيه البلاد على أهبة الاستعداد للدخول في استحقاق انتخابي من العيار الثقيل ونقصد به الانتخابات الرئاسية مع استمرار الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي أكدتها أمس أيضا أرقام المعهد الوطني للإحصاء الذي تحدّث عن نسبة نمو في حدود ٪0٫2 وعن رقم بطالة في حدود ٪16٫2 خلال الثلاثي الأول من السنة الجارية أي قبل تخرج دفعة جديدة من طلبة الجامعة هذا العام.

وقد مثّل الوضع التونسي مادة إعلامية دسمة محدودة في الداخل صراحة نتيجة أوضاع يجب الحديث فيها بحرية ومسؤولية لكنها كانت مكثفة في الخارج لدى الأشقاء والأصدقاء على حد سواء، وطبيعي هنا ان تتناقض الخطوط التحريرية التي هي في نهاية المطاف انعكاس للخيارات السياسية للدول التي تغلّب دائما مصلحتها الخاصة على المصلحة المشتركة، ليس ذلك فحسب بعض الدول تنبري في إعطاء المواعظ والدروس المتقدمة في الوقت الذي تحتاج فيه هي قبل غيرها لدروس تحضيرية في الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان.

وعلى هذا الأساس وتذكيرا فقط بما سبق وان كتبناه بعد ملحمة 14 جانفي 2011 غير المكتملة فان تونس هي التجربة الإنسانية الأقدر والأجدر بالنجاح في محيطها الإقليمي وحتى الدولي في ظل الأوضاع الراهنة.

ويحسب لهذه التجربة التونسية أنها صمدت وبقيت في المربع المدني السلمي رغم خطر العنف والإرهاب والاستبداد وتجارة الدين وتجاره الحداثة أيضا التي وضعت البلاد على كف عفريت، ويعود ذلك في تقديرنا إلى طبيعة المجتمع التونسي الذي راكم عبر الأجيال ثقافة إصلاحية حصّنته ووقته ضد التطرف.

كما عُرفت بلادنا بغلبة الحوار والتواصل في الميدان الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وقد كنّا نموذجا في منظمة العمل الدولية على سبيل المثال في ما يسمّى الحوار الثلاثي، سلطة أعراف أجراء، وشهدت تونس أيضا حوارات اقتصادية وأخرى سياسية مكّنت من تقليص منسوب التطرّف ونجحت في تجنيب البلاد مزيدا من الاحتقان والهروب الى الأمام في لحظات مفصلية من التاريخ المزدحم بالتقلبات.

ولا يمكن هنا تجاهل بعض المصالحات التاريخية التي حصلت بعد 2011 وأهمّها على الإطلاق المصالحة بين المؤسسة الأمنية والشعب وبروز مقولة الأمن الجمهوري بل أكثر من ذلك اختلطت الدماء خلال الحرب على الإرهاب وما تزال صور ملحمة بن قردان في الأذهان، يوم أجهض الجيش والأمن والشعب حلم إقامة إمارة داعشية على أرضنا واعترفت جمعيات حقوق الإنسان كذلك بأن مظاهر الانتهاكات التي كانت تحصل قبل 2011 لم تعد ممنهجة وانه لم يعد ثمّة مجال مفتوح للإفلات من العقاب.

في غضون ذلك أيضا، تلقت الجمعيات أموالا طائلة، وهنا وجب التمييز بين الجمعيات المارقة والخارجة عن القانون والتي عملت تحت يافطات تمويهية استعملت ما يسمى المال الفاسد، والجمعيات التي تقاطعت أجنداتها مع أجندات الدولة وكانت أموالها من نفس الجهات التي نهلت منها الدولة لفائدة مشاريعها قبل وبعد 2011، والأمر هنا يتعلق بالحوكمة وبالعمل الطبيعي للمؤسسات الرقابية للدولة ومثلما نعرف بالتفصيل كيف صُرفت هبة مالية من سفارة لدولة صديقة في ترميم مدرسة يجب ان نعرف كيف صرفت جمعية حقوقية هبة من جهة أجنبية على قاعدة مشروع واضح المعالم والأهداف للنهوض بالمرأة أو الطفل أو الإعلام أو المرأة الريفية أو التعريف بالدستور وبالحكم المحلي..!

ولنتفق أيضا أن مرفق القضاء ليس على ما يرام وليس هناك اختلاف بين ما تقوله الهياكل المهنية للقضاة وما يقوله رئيس الجمهورية شخصيا، بقي أن المطلوب في الحالتين الانتقال إلى الإصلاح الحقيقي والفعل لترجمة ما قاله ابن خلدون من أن العدل هو أساس العمران، فالتشكيك في القضاء كما الإدارة بشكل عام ينزع عنها الشرعية والمشروعية ويغذي تشكيك المواطن البسيط فيها، وهنا يتساءل المرء إذا كانت القضايا التي تهم شخصيات عامة يقال فيها ما يقال سواء من السلطة أو من أحد أجنحة العدالة، فماذا تركنا للمواطن العادي الذي لا صوت له ولا منبر يمرّر من خلاله ما يريد..

إن حشر المؤسسة الأمنية والمؤسسة القضائية وغيرها من مرافق الدولة في معارك وصدامات مع أطياف مختلفة من التونسيين سواء كانوا أفرادا أو مجموعات أو قطاعات مهنية أو جمعيات أو أحزابا خيار يجب اجتنابه ولا مناص من ضبط النفس والتراجع خطوة إلى الوراء كما يقال من الجميع حتى نجنّب البلاد تضخّم كرة الثلج التي بدأت تتدحرج بوتيرة أسرع مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية مكسب الحرية الذي ينفع المواطنين العاديين ـ غير المستعدين للتفريط فيه ـ بنفس الدرجة وربما اقل ممن يشتغل في السياسة في المعارضة أو الحكم على حد سواء لأن ما تحقق لا يمكن ببساطة الرجوع فيه إلى الوراء.

رفقا بتونس، تونس جديرة كما قال شكري بلعيد وشهداء كثر مثله، بأن تعيش فوق الأرض وتحت الشمس.. حرة.. ديمقراطية.. مستقلة .. مزدهرة.. نيرة.. تونس تستحق أن تكون جمهورية ديمقراطية اجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مجلس وزاري موسّع في الأفق.. الشركات الأهلية في حاجة إلى دفع جديد..

كشف وزير التشغيل والتكوين المهني لطفي ذياب أول أمس الاربعاء  بولاية قفصة أن مجلساً وزارياً…