2024-05-15

لم تصل الى درجة الكارثة لكنها صعبة : الموارد المائية في تونس بين معضلة المناخ وتراجع المائدة الجوفية

مع تواصل ارتفاع درجات الحرارة وبداية «صيف ثقيل» على ما يبدو، تعود معضلة المياه الى صدارة اهتمام التونسيين، خاصة وأنها قد شهدت خلال المواسم الفارطة تراجعا مخيفا، وصل الى حدود التقنين في جهات كثيرة والقطع في جهات اخرى، وحرم كثيرا من الفلاحين زراعة الغراسات القرعية والفلفل والطماطم وغيرها من الغراسات التي تستهلك المياه في الصيف.

الخبير في مجال المياه عبد الله الرابحي اعتبر في تصريح اعلامي أول امس الاحد أن “الوضعية الحالية للموارد المائية في تونس صعبة، ولكنها ليست كارثية، وتواصل إرتفاع درجات الحرارة في تونس تسبب في تبخر قرابة المليون متر مكعب من المياه في يوم واحد خلال سنة 2023.”

هذا النقص فسره الخبير عبد الله الرابحي بان تونس حاليا تتوجه نحو “انحراف مناخي” يجعل من السنة 3 فصول فقط، خريف وربيع وصيف دون شتاء.

وهو بلا شك انحراف سوف يخلف تبعات كبيرة على مستقبل المياه في تونس، خاصة اذا علمنا ان قلة التساقطات في الشتاء وفي الربيع، أثّرت سلبا على مخزون السدود، بل وصل بعضها الى حدود سلبية جدا بدرجة امتلاء لم تعد تتجاوز العشرين في المائة من طاقتها التخزينية  رغم ان بعضها قد انتعشت طاقته التخزينية مثل سدّي سيدي سالم وسد سيدي البراق. لكنها في المحصّلة لا تكفي، ولا يمكن الاعتماد عليها لوحدها في السقاية والزراعة وكل مناشط الحياة التي لا يمكن ان تستمر الا بوجود المياه.

هذا النقص يقوم أساسا على عنصرين هامين، الاول هو ندرة التساقطات في السنوات الاخيرة، رغم انها تحسنت قليلا في السنة الحالية 2024، الا ان ذلك وحده لا يكفي، وكذلك بداية نضوب في المياه الجوفية التي تراجعت في عديد المناطق خاصة التي كانت تعتمد عليها مصدر رئيسي لريّ المزروعات، كسيدي بوزيد وقفصة وقبلي وقابس.

يُذكر ان إيرادات السنة المطرية الحالية (تنطلق في شهر سبتمبر وتتواصل إلى شهر أوت)، بلغت قرابة الـ 800 مليون متر مكعب، وهو ما يمثل قرابة الـ 34 بالمائة من المخزون اللازم للمياه. أي أن البلاد ستعيش الموسم الحالي بنقص يقدر بـ66 في المائة من الماء الضروري لاستمرار كثير من الأنشطة الزراعية والغذائية والصناعية والسياحية، وهو ما يجعل من تونس في صفوف البلاد الجافة، ويرفع من درجة الخطر في مجال من أهم مقومات الحياة لكل بلد وشعب.

صحيح أن هناك تغيرا في نمط الانتاج الفلاحي، الذي يتجه باستمرار الى اعتماد الزراعات المروية دونا عن نظيرتها البعلية باعتبار ندرة التساقطات، وصحيح أيضا ان تونس زادت كثيرا في مساحة الزراعات السقوية بما فيها القمح والزراعات العلفية والبقول، وصحيح ايضا ان هذا النمط من السقويات قد امتد الى أقصى الجنوب برمادة وذهيبة، وما يعنيه ذلك من استنزاف للمائدة المائية من  ناحية واستنزاف لمخزون السدود من ناحية ثانية. لكن ذلك ليس ادانة لتوجهات استراتيجية معينة بقدر ما هو تذكير بها فقط، خاصة وان البلاد أمام تحديات أكبر لعل أهمها تحدي الامن الغذائي الذي يتطلب كثيرا من التضحيات من أجل ضمان السيادة الغذائية للوطن والامن الغذائي للمواطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لا بد من تغيير الممارسات الانتاجية للتوفيق بين التنوع البيولوجي والتنمية: إطلاق المرحلة الثانية من مشروع «التنوع البيولوجي 2030» بتونس

قد تبدو المسألة ظرفية، أو طارئة وغير معروفة للكثيرين، لكنها اصبحت أمرا واقعا قطعت فيه تونس…