2024-05-15

سليم قاسم رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم لـ«الصحافة اليوم» : الامتحانات تستأثر بقسط مبالغ فيه من أيّام الدّراسة وترهق التّلاميذ والمربّين والإداريّين والأولياء

ما من شك أن الامتحانات ماهي إلا وسيلة لقياس المستوى التحصيلي الدراسي للطالب بعد عام دراسي كامل حافل بالجهد والمثابرة والتعب والسهر، وما يترافق وهذا الجهد من توتر وقلق ومخاوف ليس للطالب فحسب، وإنما لجميع أفراد الأسرة.

فمع اقتراب موعد الامتحانات تتحول الأسرة إلى خلية نشطة يتم فيها إعلان حالة الطوارئ في كافة الأرجاء، ويعاد النظر في برامجها والتزاماتها وخططها، بغية تهيئة الطالب للدخول في «معمعة» الامتحانات، وتوفير المناخ الأسري الصحي المناسب قدر الإمكان.

كثيرا ما شكلت الامتحانات خلال العام الدراسي جدلا واسعا حول ما إذا مثلت عبءا على الأبوين العاملين وترهق التلاميذ أم أنها تسهم في زيادة التحصيل الدراسي؟؟ وفي هذا الإطار اعتبر الأستاذ سليم قاسم رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم في حديثه لـ«الصحافة اليوم» أن الحديث عن الامتحانات يعني بالضرورة الحديث عن منظومة فرعية على اتّصال عضويّ بمنظومة التّعليم والتّعلّم وهي منظومة التّقييم.

وأوضح قاسم أنه من المتعارف عليه عالميّا أنّ التّقييم أنواع، فمنه التّقييم التّمهيديّ أو القَبْلِيّ، الذي نُجريه قبل الشّروع في عمليّة التّعليم للوقوف على مدى امتلاك المتعلّمين للمعارف والكفايات والمواقف اللاّزمة لخوض تجربة التّعلّم الجديدة، ومنه التقييم التكويني أو البنائيّ الذي يُجريه المدرّس أثناء تقديم درسه بهدف مساعدة المتعلّم على تحسين تعلّمه ومعرفة مدى تقدمه في مسار التّعلّم والخطوات المتبقية التي يجب قطعها لإتمام هذا المسار بنجاح، ومنه التّقييم الختاميّ أو البعديّ، وهو تقييم جزائيّ يأتي في نهاية الدّرس أو المحور أو الفترة التّعليميّة، وتكون الغاية منه التّأكّد من تحقيق عمليّتي التّعلّم والتّعليم لما حُدّد لها من أهداف.

ولفت سليم قاسم في نفس السياق الى أن هناك انزلاقا في التقييم على مستوى المنظومة التّربويّة التّونسيّة ليصبح شيئا فشيئا تقييما جزائيّا بحتا وفق تعبيره، وقال «بل إنّنا لا نبالغ إذا قلنا إنّها قد ذهبت إلى أبعد من ذلك باختلاق نوع جديد من التّقييم يمكن تسميته «التّقييم الإداري»، كلّ همّه إسناد أعداد إلى التّلاميذ يتمّ على أساسها اتّخاذ القرار بنجاح بعضهم ورسوب البعض الآخر ورفت فئة ثالثة، وبتوجيه النّاجحين في سنوات معيّنة إلى هذه الشّعبة أو تلك».

وأكد رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم أن التقييم فقد معظم صلته  بالغايات التّربويّة والتّعليميّة الفعليّة، وتحوّل إلى مجرّد إجراء بيروقراطيّ يشدّ أزر المنظومة التّربويّة ويساهم في ضمان مشروعيّتها. وأشار محدثنا إلى أن خير دليل هو ما حدث خلال سنوات الفوضى التي مرّت بها هذه المنظومة بسبب الإضرابات والمقاطعات وحجب الأعداد، حيث كان مجرّد إجراء الامتحانات وإسناد الأعداد كافيا للإعلان عن «إنقاذ السّنة الدّراسيّة»، بقطع النّظر عن قيمة التّكوين الذي تلقاه التّلميذ، ودون الاهتمام بما استطاع اكتسابه وتطويره فعلا من معارف وكفايات ومواقف.

وأبرز سليم قاسم بأن التّقييم هو محطة ضروريّة ضمن مسار متكامل يُفْضِي إلى تحقيق الأهداف المرسومة للمنظومة التّربويّة، وهو أحد الأعمدة الرئيسيّة لضمان جودة التّعليم بفضل عمليّات التّحسين المستمرّ التي يُفتَرض أن تشمل أداء التّلميذ والمدرّس والمؤسّسة التّربويّة وسائر مكوّنات تلك المنظومة، معتبرا أن جعله حكرا على المتعلّم، وعزله عن مسار التّحسين المستمرّ، وتحويله إلى مجرّد أداة بيروقراطيّة لا تصلح إلاّ لاتّخاذ قرارات النّجاح والرّسوب والرّفت والتّوجيه، أو لإصدار بعض الجداول الإحصائيّة الصّمّاء وبعض التّقارير الرّوتينيّة العقيمة وهو ما وصفه محدثنا «بانحراف بالتّقييم عن غايته الرّئيسيّة وإهمال لجوهره وحرمان للمنظومة التّربويّة من فرصة تحسين أدائها.»

وتابع أن هذا الفهم القاصر لوظيفة التّقييم ولدوره في ضمان جودة التّعليم أورث جملة من الظّواهر السّلبيّة التي ما انفكّت تستفحل، ومن أهمّها كثرة الامتحانات التي باتت تستأثر بقسط مبالغ فيه من أيّام الدّراسة وكذلك من جهد التّلاميذ والمربّين والإداريّين والأولياء واهتمامهم، فتفاقم اللّهث خلف الأعداد واستشرت الدّروس الخصوصيّة وضمُرت الأنشطة الثّقافيّة وضاع جوهر العمليّة التّربويّة.

وشدد قاسم أن المعالجة الحقيقيّة لظاهرة كثرة الامتحانات لا تكون إلاّ في إطارها المنظوميّ الذي يربطها بعمليّة التّقييم بأنواعه ويربط هذه العمليّة بثقافة التّحسين المستمرّ المُفضِيَةِ إلى جودة التّعليم، خلافا للدّعوات التي نسمعها بين الحين والآخر للتّخلّي عن التّقييم أو التّقليل من عدد الامتحانات أو التّخلّي عن الضّوارب أو غيرها من الحلول السّطحيّة والمرتجلة.

وحذّر رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم من خطرها على المنظومة التّربويّة لأنّها سوف تزيدها وَهَنًا وإرباكا وفق تقديره. ولنا في ما حلّ ببرامجنا التّعليميّة خير درس نتعلّمه، حيث كانت الشّكوى من كثافة البرامج منذ سنوات مدخلا لبتر هذه البرامج وإفسادها تحت شعار «التّخفيف»، ففاقمنا المشكلة عوض حلّها.

واعتبر أن الحلّ يكمن في بناء منظومة عصريّة متكاملة للتّقييم والجودة، مركزيّا وجهويّا ومحلّيّا، ووضع مرجعيّات كفايات ومرجعيّات جودة وطنيّة، وبناء خطط تقييم شاملة ومتكاملة وتوفير أدوات تقييم فعالة، مع إعادة الاعتبار للتّقييم التّكوينيّ، والاتّجاه نحو أشكال أخرى للتّقييم النّهائيّ، خاصّة في الموادّ الفنّيّة والاجتماعيّة، على غرار «البورتفوليو» بالإضافة إلى تقييم المشاريع التي ينجزها المتعلّمون، وبذلك يتحرّر هؤلاء المتعلّمون وأولياؤهم من أعباء الامتحانات العقيمة، ويستعيد التّقييم وظيفته الرّئيسيّة باعتباره أداة لتحسين الجودة، وتسترجع المنظومة التّربويّة وظيفتها باعتبارها المستأمنة على جيل المستقبل القادر على الفعل والمتوثّب للإسهام في استئناف المسار الحضاريّ الذي بدأته بلادنا منذ آلاف السّنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مستغلين يأس الشباب المعطّل عن العمل : مكاتب التسفير والتشغيل الوهمية ….ضحاياها في تزايد..!

«مبروك لقد تم قبولك للعمل نرجو الالتحاق بالمكتب في العنوان التالي لدفع المبلغ المحدد والحص…