الأوطان مثل الأمهات يحدث أن تزحف التجاعيد على وجوههن ويحدث أن تغلّف طباعهن بعض القسوة وان يجور الزمن عليهن ويمكن أن تتكالب عليهن الخسارات جراء عقوق الأبناء وخذلانهم.

ولكن لا أحد يجرؤ على أن يتبرّأ من والدته وإذا فعل يظل ذاك الحبل السري رابطا بينه وبينها إلى الأبد يذكّره بجحوده ونكران جميل تلك الأم.

نقول هذا ونحن بمنأى عن  شاعرية مفرطة أو رومانسية خارج سياقاتها  قد يرمينا البعض بها أو قد يسمنا البعض الآخر بالسذاجة أو حتى الغلو.

لكن يقتضي الموقف الراهن الذي تعيشه بلادنا أن لا نصمت فتونس تعيش منذ فترة طويلة وتحديدا منذ شتاء 2011  أوضاعا صعبة ومعقدة على جميع المستويات نتيجة عدة عوامل وكأن ذاك الفصل حمل معه نذر العواصف والتقلبات التي ما تزال تعصف بنا حتى الآن.

ولا أحد يستطيع اليوم أن ينكر سوء الحال والمآل ولكن علينا أن نستلهم من تاريخنا لندرك أن الدولة المركزية في تونس كانت وما تزال وستظل صامدة وقوية صمود الشعب التونسي الذي عرف محنا كثيرة طوّحت به منذ أن دمّرت روما قرطاج العظيمة وحتى اليوم.

ومجتمعنا كما علّمتنا السوسيولوجيا الحديثة قائم على الانصهار وليس الاجتثاث كبعض المجتمعات الأخرى ومهما بدت الانقسامات التي تشقه عميقة فإنه منسجم ومتماسك وبالتالي لا خوف إجمالا على تونس رغم كل الهزات التي تمر بها.

وليس من مبرر اليوم إلى أن تتكالب علينا الأصوات الناعقة من كل صوب وحدب وليس من داع إلى جلد الذات  بالسياط  من ناحية أو توجيه المعاول الهدامة إلى هذا الوطن  من قبل بعض أبنائه بسبب الخصومة السياسية مع السلطة القائمة أو مبررات عدم الرضا عن أداء الفاعلين السياسيين.

فمن الطبيعي أن تحدث الاختلافات في المقاربات ووجهات النظر بسبب التعاطي مع هذا الملف أو ذاك تماما كما يمكن تفهم  أيضا المنافسة السياسية والخصومة الفكرية وكذلك  يمكن تفسير وتبرير التذمر وحتى الغضب والرفض الناتج عن تدهور الأوضاع والرغبة في تحسينها. وكل هذا يندرج في سياق مجتمعي طبيعي بل هو دليل حياة لكن ما لا يمكن القبول به هو غياب حس الانتماء وتبخيس الوطن ككيان وهوية والسخرية منه في منابر وسائل الإعلام الجماهيرية التي يتابعها جمهور من تونس وخارجها. فهناك فرق شاسع بين أن يعبّر مواطن ما  عن غضبه في لحظة انفعال أو تشنج وهو في الشارع أو المقهى متذمرا من الأوضاع المعيشية فتصدر منه كلمة مسيئة لوطنه وبين أن تلفظ هذه الكلمة ذاتها من  شخصيات محسوبة على النخب التونسية ولها حضور في المشهد الإعلامي يؤهلها إلى أن تكون من «قادة الرأي» كما تعلّمنا في أبجديات الصحافة.

ومعلوم أن الكلمة مثل الطلقة تقتل أيضا ولا يمكن استردادها أو التراجع عنها أو التهوين من تأثيرها في الجموع المتلقية .

هنا نحتاج أن نقف مع أنفسنا وقفة مكاشفة فبلادنا تمر بظرفية دقيقة بلغ فيها التعفن مبلغا عظيما وربما غير مسبوق جراء عوامل كثيرة أولها عجز السياسيين الذين تداولوا على الحكم عن حوكمة الأزمة  متعددة الأبعاد. بالإضافة إلى التركة الثقيلة التي تراكمت على امتداد عقود ثم إغراق البلد في السفسطة التي  تذكّر بعصور الانحطاط.

ولإصلاح كل الخراب الذي تعيشه تونس حاليا نحتاج إلى أن  ننبذ الكراهية التي تفشت بيننا وسرت كالنار في الهشيم والصراعات السياسية الغبية ونحتاج كذلك إلى أن نكف عن ثرثرة المنابر التي أصبحت سمة من سمات الإعلام التونسي  ويدرك كل من يمسك بالمصدح أو يوجه وجهه صوب الكاميرا إلى أن الكلمة مسؤولية وسواء كان من المعارضة أو الموالاة عليه أن يعي خطورة دوره ويحسن انتقاء ألفاظه سواء كان ناقدا أو مساندا.

فقد لاحظنا بكل أسف خلال الآونة الأخيرة تفشي ظاهرة السخرية واعتماد ألفاظ سوقية عند التداول في الشأن السياسي للحط من قيمة الخصم. كما أن هناك استسهالا لمهمة الصحفي أو الإعلامي التي تكالب عليها كل من هبّ ودبّ بحثا عن الشهرة والمجد الزائف وهذا ملف كبير ينبغي أن تفتحه هياكل المهنة عاجلا غير آجل.

ولا ننسى أننا مقبلون على محطات سياسية مهمة وفي مقدمتها الانتخابات الرئاسية المرتقبة وهو ما يتطلب استقرارا  سياسيا واجتماعيا ويفترض وجود إعلام مهني وحرفي ينهض به أصحاب المهنة تحديدا للقيام بالأدوار الموكولة لهم دون صخب أو ضوضاء حتى يتم هذا الاستحقاق في ظروف عادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

على هامش الاحتفاء بالبروفيسور الباوندي : كيف نستثمر في البحث العلمي؟

حل بيننا البروفيسور منجي الباوندي صاحب جائزة نوبل للكيمياء  ضيفا على تونس بلده الأصلي وتم …