2024-05-07

في الشأن التربوي : المدرسة بين توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحذر من مخاطرها

فرض استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي واقعا جديدا في كل مجالات الحياة  وأصبح الأسلوب الأمثل للتعامل الذكي والسلس مع  كل الأنشطة المتعلقة بها . لذلك ليس هناك تقريبا مجال أو قطاع لا يسعى لتوظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في نشاطه ومن بينها التعليم، الذي بواسطته ستتحول كل المقاربات البيداغوجية التقليدية إلى مقاربات جديدة أكثر فعالية وجذب لاهتمام المتعلمين، وستتحسن جودة التعليم وتفتح فرص التعلم للجميع باستعمال أدوات وآليات تقنية جديدة ميسرة لعمل كل المتدخلين والفاعلين في المنظومة التربوية ومن بينهم المدرسون.

إن التحول من التعليم التقليدي إلى التعليم الذكي بتوظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي وفق ما تمليه علينا الثورة الرقمية بات يثير مخاوف المهتمين بالشأن التربوي وخاصة بانتشار واسع لاستعمال تطبيقاته وخاصة منها تطبيقات ChatGPT والتطبيقات الوليدة منها أو التي تعمل بنفس التقنيات . لذلك أحدثت اليونسكو المرصد العالمي لأخلاقيات وحوكمة استعمال الذكاء الاصطناعي بهدف إيجاد الحلول للتحديات التي يفرضها استعمال الذكاء الاصطناعي في حياتنا حتى يكون ذلك الاستعمال بطريقة أخلاقية . وقد حذرت المديرة العامة المساعدة لليونسكو السيدة Gabriela Ramos من مخاطر استعمال الذكاء الاصطناعي . وأكدت في مقال لها حول أخلاقيات استعمال الذكاء الاصطناعي ( مارس 2022 ) أن هذه التكنولوجيا الجديدة رغم أنها تقدم للإنسانية فرصا عديدة تسهل حياتها في عدة مجالات مثل الصحة والتعليم والأمن والاقتصاد والإعلام وغيرها، إلا أنها تثير مخاوف قد تساهم في نشر التمييز بين البشر وتعميق الفوارق الاجتماعية بينهم ، وفي تغذية التهميش وتهديد الحريات وحقوق الإنسان الأساسية، وفي تغيير طرق عيش الإنسان والتأثير على الجانب العلائقي بين الناس . لكن وبالمقابل فنحن مطالبون بالاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في كل المجالات ومن بينها التعليم موضوعنا اليوم لأن الذكاء الاصطناعي شبيه بالذكاء الإنساني وقد يتفوق عليه أحيانا من حيث سرعة الأداء ودقة النتائج .. لكن مع أخذ الاحتياطات اللازمة حتى لا يكون لذلك الاستعمال الأثر السلبي على القطاع وعلى كل ما يتفاعل أو يتداخل معه وبالتالي نستعمل الذكاء الاصطناعي بطريقة آمنة ومسؤولة .

مزايا التوظيف في التعليم

بما أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي الخاصة بالتعليم هي مثل كل التطبيقات المستخدمة في المجالات الأخرى تضع على ذمة المستخدم كل المعطيات والمعارف والآليات والتقنيات … التي من شأنها مساعدته على تنفيذ مهام معينة وحل المشكلات التي تعترضه في مجال اختصاصه بسرعة ودقة واقتدار . وعلى هذا الأساس فإن التطبيقات توفر للمدرس في مجاله الوقت والمعارف والمدعمات البيداغوجية … لانجاز مهامه التدريسية والتخطيط لدرسه في أقصر وقت ممكن وتنفيذها بالنجاعة القصوى بل وتوفر للمدرس المقاربات الممكنة والمحدثة لإنجاز درسه وتخصيص الوقت المتبقي للابداع الشخصي وتطوير الأفكار والمقاربات المطروحة بشرط أن يتحرى المدرس مما يوضع بين يديه من معارف ومقاربات لأنه سيستغلها لاتخاذ قرارات تعليمية تتعلق بمسؤوليته الأخلاقية تجاه تلاميذه .

ولأن المدرس عندما يعتمد تلك التطبيقات فهو يعلم بالمقابل أن تلاميذه يستخدمون نفس التطبيقات فتصبح من مهامه الجديدة مرافقتهم في ذلك النشاط ومدهم بالآليات التي تساعدهم على تحكيم العقل والمنطق في ما يطرحه عليهم الذكاء الاصطناعي من معارف وبالتالي يمكنهم من آليات وقواعد الحذر العلمي الواجب تطبيقه في مثل هذه الحالات وعدم التسليم بكل ما تقدمه تطبيقات الذكاء الاصطناعي . كما تمثل تلك فرصة متاحة للمدرس لتدريبهم على التعلم الذاتي الآمن الذي يسهل تشريكهم في الدرس الذي يطرحه المدرس .

وتعفي تطبيقات الذكاء الاصطناعي المنظومة التربوية مثلا من تخصيص اعتمادات مالية لإنجاز المخابر العلمية وشراء المواد والتجهيزات التي تستعمل في المختبرات لإنجاح التجارب العلمية ، لأن الذكاء الاصطناعي ينجز تلك التجارب بكل تفاصيلها وبالدقة المطلوبة في كل مراحل التجربة وبتوظيف الصورة والفيديو عبر شاشة الكمبيوتر . ويمكن للمتعلم المشاركة في إنجاز التجربة وكأنها تجرى في الواقع . وإذا احتاج مدرس الجغرافيا مثلا إلى خرائط مفصلة مهما كان موضوعها، طبيعية كانت أو غيرها فتطبيقات الذكاء توفرها للمدرس في لحظات وتسمح له بالتعامل معها وتوظيفها لدرسه إن كان مثلا يدرس مواطن الطاقة أو المعادن أو الإنتاج الفلاحي في دولة ما  أو غيرها في مكان ما من العالم . ونفس الأمر ينطبق على مدرسي اللغات الأجنبية إذ  يوفر لهم الذكاء الاصطناعي التطبيقات الملائمة لمساعدتهم بمخابر لغات افتراضية، وكذلك الأمر في كل المواد تقريبا مما يساعد المدرس على التوظيف الأمثل للوقت ووسائل الإيضاح البيداغوجي اللازمة…

إننا ننتظر من الجميع أن ينخرط في هذا المسار والعمل على تكوين كل المدرسين في كيفية الاستفادة المسؤولة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي وكذلك في وسائل مرافقة التلاميذ للاستفادة منها دون مبالغة وبتحكيم الحذر العلمي في ما تعرضه عليهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي .

وعلينا أن ننتبه أيضا أننا اليوم في بداية الطريق وينتظر أن تنفجر تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المستقبل القريب ويزيد انتشارها ويتطور استعمالها إلى درجة سيطرتها على عمل الإنسان ومن ذلك عمل المدرس بحيث يصبح من الصعب الاستغناء عنها في تنظيم الأنشطة التعليمية التعلّمية وتنفيذها وفق أنماط جديدة وطرق تدريس ملائمة ومختلفة عن الطرق التقليدية بشرط أن يكون الاستخدام آمنا حذرا مراعيا معايير الجودة والحوكمة الرشيدة في التعليم مما يفتح آفاقا جديدة أمام عملية التعليم والتعلَم قوامها دمج مستحدثات تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم للحصول في النهاية على ما أصبح يسمى اليوم بالتعليم الذكي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

أي مــــدرســــة نــــريـــــد ؟ طــرح رؤى جــديــدة للــمــدرســة مــســتــقـبــلا

تستهوي الكتابة في الشأن التربوي عديد المهتمين بهذا القطاع . لكن تصبح المسألة جدية وهادفة ع…