2024-05-07

بعد أن أصبحت المدرسة ركنا قارّا في أخبار الجريمة : المنظومة التربوية  والانهيارات الكبرى..!

منظومتنا التربوية بصدد لفظ أنفاسها الأخيرة. هذه جملة توكيدية وليست من قبيل إحداث الصدمة أو الهلع في النفوس وليس أيضا رغبة في الإثارة أو العناوين الجاذبة.

فالوضعية التي عليها منظومتنا التربوية تشي بأننا نعيش لحظات ما قبل الكارثة أو لعلّنا في صلبها.

فمن المحزن أن المدرسة التونسية أصبحت خبرا قارا في ركن الحوادث والوقائع الإجرامية. وبدل تناول أخبار التميز والتفوق والإنجاز في المجال التعليمي والتربوي بتنا نتناول أخبار العنف داخل أسوار المؤسسات التربوية والأحداث الغريبة التي تتم في ردهات المدارس والمعاهد.

والحقيقة أننا منذ مدة توقفنا عن تعديد الوقائع العنيفة والانتهاكات بمختلف أنواعها التي شهدتها المدارس والمعاهد التونسية ولكن رغم ذلك ما تزال هذه الأخيرة «تجود» علينا كل يوم بكل غريب وعجيب وصادم. وآخر هذه الأخبار مثول مجلس تأديب بكامل أعضائه أمام التحقيق  لأنه أصدر عقوبة في شأن تلميذة ارتكبت الغش وتطاول والدها على المدرسين  واشتكي به جزائيا رغم أن المسألة إدارية داخلية وتربوية لا غير.

وهذا يعني أن الانتهاكات التي طالت المدرسة في العقد الأخير تجاوزت الجرأة على أسوارها و«خلع» نوافذها وأبوابها بالمعنى المادي إلى المعنى الرمزي وهذا أخطر ما في الموضوع فالمدرسة تغتال رمزيا اليوم وهذا مؤشر كارثي.

فهذه الواقعة غير المسبوقة تنزع عن المربّين وظيفتهم التأديبية وتجعل المؤسسة فاقدة لقدرتها على الضبط.

وبالتزامن مع هذه الواقعة الصادمة ثمة حدث  آخر لا يقل خطورة وهو اعتداء شنيع  بالعنف الشديد مارسته تلميذة على أستاذها بعد أن حوّل ملفها إلى مجلس التأديب  جراء استعمالها المفرط للهاتف الجوال داخل القسم ونظرا لطبيعتها المشاغبة والمشاكسة و العنيفة مما يؤدي إلى تعطيل الدرس. فقدم تقريرين في شأنها إلى الإدارة  وقامت بتهديده في وقت سابق.

إذن أقدمت تلميذة تبلغ من العمر سبعة عشر عاما على فعل إجرامي بالغ الخطورة في سابقة تحمل نذرا مأساوية .

فبعد أن قدم أستاذها تقارير بشأن تأديبها  ما كان من هذه التلميذة إلا أن هجمت على  المدرّس عندما كان منهمكا في الكتابة على  دفتر المناداة  مقتحمة  القاعة قادمة من ساحة المعهد وباغتته في حصة  دروس موجهة  لقسم غير قسمها واعتدت عليه بشفرة حلاقة في وجهه وأحدثت له جرحا غائرا. وحدثت حالة احتقان كبرى وهلع في صفوف التلاميذ الذين شاهدوا أستاذهم غارقا في دمه. وتم إيقافها في حين يخضع المدرّس للعلاج.

الملفت أن التلميذة اعترفت  بكل التفاصيل وأقرّت بأنها أرادت أن تثأر لنفسها من الأستاذ الذي «استفزها» لأنه منعها من الاستعمال المفرط للهاتف باعتباره حسب رأيها «حقا مكتسبا» وهذا ما يؤكد التخطيط والتهديد وسابقية الإضمار. وهو ما يحيل على الفكر الإجرامي الذي تستبطنه هذه الفتاة والذي تغلغل مع الأسف في نفوس الكثير من المراهقين والشباب وهو بمثابة ضوء احمر ينبهنا جميعا لمخاطر هذه الظاهرة.

و الثابت أن هذا الجرح الغائر في وجه الأستاذ سيترك أثرا عميقا ليس في وجهه  فقط بل في نفسه وفي نفوس التلاميذ وكل المربين والإطار التربوي  بل وهو وصم في جبين المؤسسة التربوية وفي جبيننا جميعا كمسؤولين وأولياء  و كمربين وكتلاميذ أيضا.

وهذا الحدث الإجرامي الشنيع  واقعي رغم دمويته وليس مستمدا من دراما «الإلترافيولنس»  التي أصبحت تقليعة من التقليعات التي  تثير شغف المراهقين وتحفّز رغبتهم في تقليدها وليس من قبيل الروايات العنيفة التي لها جمهور واسع أيضا بل هو حدث في رحاب مؤسسة تربوية تونسية وتفاصيله مرعبة تشي بالهاوية التي تردّينا فيها جميعا وهو إعلان بأن المدرسة التونسية دخلت غرفة الإنعاش وهي تحتضر الآن.

والسؤال المركزي هو ما العمل ؟

وثمة أسئلة أخرى فرعية تطرح نفسها :

هل من حلول لدى  المسؤولين على وزارة الإشراف إزاء هذا الكمّ الرهيب من العنف الذي يدور داخل المؤسسات التربوية ؟

وهل هناك آليات لإيقاف نزيف تبخيس دور المدرسة والتطاول على رمزيتها وقدسيتها ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

على هامش الاحتفاء بالبروفيسور الباوندي : كيف نستثمر في البحث العلمي؟

حل بيننا البروفيسور منجي الباوندي صاحب جائزة نوبل للكيمياء  ضيفا على تونس بلده الأصلي وتم …