2024-05-02

عن اليد العاملة، الأرض، رأس المال والادارة : عناصر هامة لضمان الإنتاجية ودعم الاقتصاد

احتفلت تونس امس الأربعاء كسائر دول العالم بعيد الشغل أو ما يسمى باليوم العالمي للعمال والذي يعود تاريخه إلى أكثر من قرن ونصف عندما ظهرت التحركات العمالية في العديد من دول الغرب للمطالبة بتقليل ساعات العمل التي تتراوح في تلك الفترة من 12 إلى 15 ساعة يوميًا إلى ثماني ساعات.ورغم أن تخفيض ساعات الانتاج، هذا المطلب الذي تحقق بعد أشواط من المقاومة والاحتجاجات وحصر ساعات العمل بمعدل 8 ساعات يوميا، بقي اقتصاد بعض الدول محافظا على تماسكه ونسق إنتاجية قطاعته المختلفة وفي الان ذاته تحسنت وضعية العمال الاجتماعية ،عكس بعض الدول التي مازالت إلى الآن تتخبط في أوضاع اقتصادية هشة وأيضا أوضاع اجتماعية للعمال صعبة .

وبالعودة إلى تونس، فهي تعد مثالا واضحا للوضعية الثانية التي لم تشهد لا تطورا للاقتصاد ولا تحسنا لوضعية العمال. وبالعودة إلى المؤشرات الاقتصادية، تظهر جل الأرقام من مديونية وتضحم وعجز الميزان التجاري الجاري، أن الإقتصــاد الوطني لا يزال متذبدبا ولم يحقق بعد النمو المرجو والوضع سيان بالنسبة لوضعية العمال الذين يعانون أزمة قدرة شرائية حادة جراء ارتفاع الأسعار مقابل اجر “متوسط” إضافة إلى ظروف العمل التي لا تستجيب في بعض الإدارات إلى متطلبات الوضع وسوء التصرف فيها وتعدد مظاهر الفساد. الأمر الذي ساهم بدور كبير في غياب ثقافة العمل وتقاعس الكثيرين من مهامهم.

ولان الاقتصاديون السياسيون الأوائل اتفقوا على أن العمل  يعني الإنتاج، يمكن الجزم أن هذا التقاعس أو ما يسمى بغياب ثقافة العمل ساهم بدور كبير في تراجع الوضع الاقتصادي انطلاقا من اليد العاملة (العمال) تعتبر عنصراً أساسياً من عناصر الإنتاج، وهو عنصر يتغير من قطاع إلى آخر، ومن مؤسسة إلى أخرى وفق مصلحة مشتركة : العمال يشتغلون ضمانا للإنتاجية والجودة والكفاءة مقابل أن توفر المؤسسات ظروف عمل جيدة وأجورا محترمة َمن أجل مصلحة مشتركة تتمثل في إنتاج السلع أو تقديم الخدمات من أجل تحقيق الأرباح.

ولئن توفر العنصر الأول وهو اليد العاملة ولو بنسبة محترمة، فإن ضمان مردودية إنتاجية ضامنة لتطور الاقتصاد الوطني، فإنه يبقى رهينة بقية العناصر التي لا تقل أهمية ونخص بالذكر الأرض، رأس المال والإدارة.

بالنسبة للأرض، فهي الأساس لأنها ركيزة الفلاحية ومصدر الموارد الطبيعية (من ماء وصيد بحري، فسفاط). وقد تمسك بها التونسيين وزعوها استغلوا خيراتها افنتاعا منهم بقيمة الأرض واعتبارها مصدراً للثروات، إلا أنها باتت في حاجة إلى مساحة أكبر من الاهتمام لتكون قطاعا يدر على الاقتصاد الوطني أموالا طائلة (زيت الزيتون مثلا).

وبخصوص رأس المال، فهي حزمة النقود التي تسير الاقتصاد من شركات واستثمارات من جهة وهي من جهة أخرى الأموال التي تشتغل لشراء المعدات ودفع أجور الموظفين. وفي كلتا الحالتين، يعاني رأس المال في تونس من عدة مشاكل على غرار رفض استغلال رؤوس الأموال  – المتوفرة رغم الفساد والسرقة وسوء الاستغلال – لصالح تمويل المشاريع  الكبرى الضامنة لتنمية جهوية عادلة وقادرة علي دفع الاقتصاد الوطني.

اخر العناصر الضامنة لتحقيق إنتاجية دافعة للاقتصاد التونسي نخصصه للادراة، وهي تخص كل ما له علاقة بمناخ الأعمال وظروف العمل. ورغم أهمية هذا العنصر، الا انه يعاني هو الاخر صعوبات عرقلت النمو الاقتصادي بسبب البيوقراطية المكبلة وتفشي مظاهر المحسوبية والفساد.

عموما، تعد العناصر الأربعة المذكورة والممثلة لعناصر الإنتاج المتفق عليها في علم الاقتصاد حلقة متكاملة في الدورة الاقتصادية لان وجود الأرض امر ضروري لممارسة النشاط الفلاحي وتأمين الأمن الغذائي بقدر ماهي ضرورة لتشييد المشاريع وبعث المشاريع. وسواء استغلت هذه الأراضي لغايات فلاحية أو صناعية فإن اليد العاملة أو العمال هم العنصر الثابت لتسسيرها والتصرف فيها مرتكزين على رؤوس المال المتوفرة ومناخ الإدارة.

وبحكم أن ضمان اقتصاد وطني له وزنه قادر على مجابهة التغيرات الحاصلة سواء الوطنية أو العالمية يتطلب توفر إنتاجية كافية وذات جودة عالية من شأنها أن تنهض بكل القطاعات الاقتصادية، فإن توفر هذه الاخيرة (الانتاجية) يتطلب أيضا إيمانا قويا بثقافة العمل والتي تراجعت في السنوات الأخيرة وخاصة في المؤسسات العمومية بسسب اختلال عناصر الإنتاجية المذكورة سلفا : اليد العاملة (العمال) حرموا من حقوقهم المشروعة (الصحة، النقل، التعليم) جراء ارتفاع الأسعار وتدني الأجور، وهو ما أثر سلبا على واقع رؤوس الأموال وقطاع الاستثمار وزاد من تراجع مردودية الإدارة.

ومن هنا ونظرا لوضعية الاقتصاد الوطني الذي يجابه منذ سنوات عديد الصعوبات، بات من الضروري إعادة النظر في موضوع “العمل” وثقافة العمل باعتباره عنصرا فاعلا في الدورة الاقتصادية وضامنا لتحسينه ونموه. وتونس تحتفل امس بعيد العمال، بات ايضا من الضرورية حماية حقوق هؤلاء العمال من اجل تشجيعهم على تقديم الأفضل سواء كانوا يدا عاملة في مؤسسات هذا البلد يقدمون خدمات متنوعة أو فلاحين يزرعون أراضيهم أو مستثمرين يبحثون عن مشاريع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

في ظل محدودية موسم الزراعات الكبرى الحالي : هل تستفيد تونس من انخفاض أسعار الحبوب عالميا؟

«سينخفض الإنتاج العالمي للحبوب للموسم الحالي بـ 3 مليون طن، مع تقديرات بإنتاج في حدود 2301…