2024-05-01

عيد الشغل وعودة الأسئلة المعتادة: من يوقف مكابدة العاملات في القطاع الفلاحي؟

قطعا لا نحتاج ونحن نحي ذكرى عيد الشغل إلى استذكار صرخة كارل ماركس يا عمال العالم اتحدوا ولا أن نستحضر النضالات المتراكمة على مرّ العقود لندرك حجم المعاناة التي ما يزال يرزح تحت نيرها العملة في كل أصقاع الدنيا رغم التشريعات التقدمية التي أنتجها المشرّعون في أعرق الديمقراطيات.

ولكن ما يعنينا في السياق الحالي هو الانكباب على ما يعنينا بشكل مخصوص وما يمس معيشنا اليومي بالتحديد. فالتأمل في واقعنا المجتمعي يحيلنا على القدر الكبير من الهشاشة التي تعيشها طبقات وفئات كثيرة من التونسيين في بلد يعد فيه الأجر الأدنى وصمة حقيقية في جبين الدولة التي راهنت على أن تكون اجتماعية وراعية فهذا الأجر لعله «الأدنى» بالمقارنة مع كافة محيطنا الإقليمي دون أن نقارن مع بلدان الريع النفطي أو البلدان الغربية.

وليس هذا فحسب فإذا اعتمدنا متغير الجنس أو النوع الاجتماعي كمقاربة مركزية لمقاربة وضعية العمالة في بلادنا فإننا قطعا نصطدم بمفارقة حادة تكمن في كون التشريعات التقدمية التي تم إرساؤها منذ الاستقلال لفائدة المرأة سواء داخل الأسرة أو في المجتمع لا تتسق في شيء مع وضعية النساء في سوق الشغل، وبالتحديد النساء  الأقل حظا في المكانة  الاجتماعية أو التحصيل العلمي أو الانتماء الفئوي أو الطبقي.

فرغم رهان الدولة الوطنية على المرأة كعنصر فاعل في المجتمع مستفيدة من الإرث الفكري التنويري الذي أرساه نصير المرأة المفكر والنقابي الطاهر الحداد ومستلهمة من هامش الانفتاح الديني الذي تميزت به الزيتونة تاريخيا إلا أن الحصيلة اليوم لا تتماشى مع كل المنجز الذي انطلقنا منه.

كما أن اعتبار المرأة قلب المشروع التحديثي التونسي والمراهنة عليها سواء من خلال التشريعات التقدمية في مجال الأحوال الشخصية التي تبوّؤها لدور مهم في الأسرة  أو في قطاع الشغل كشريك فاعل في التنمية لم يؤت أكله سوى جزئيا  وفي قطاعات بعينها وهي المتصلة خاصة بالتحصيل العلمي الكبير على غرار البحث العلمي والطب والهندسة وغيرها.

أما بالنسبة إلى القطاعات المهنية الأخرى وخاصة الفلاحة والصناعات اليدوية والحرف الصغرى  فإن الهشاشة هي السمة الطاغية لوضعية النساء والمكابدة هي العنوان الأبرز الدال عليهن.

فهن يعشن معاناة متعددة الأبعاد تتمثل في الحيف والتمييز الجنسي  ضدهن من ناحية و تبخيس أدوارهن من ناحية ثانية. هذا بالإضافة إلى المخاطر الجمة التي تحدق بهن خلال ممارسة أعمالهن.

ولعل أكبر دليل على ما نقول هي  الوقائع العديدة التي تابعنا تفاصيلها في وسائل الإعلام في أكثر من مناسبة والمتمثلة في حوادث راحت ضحيتها سيدات عاملات في المجال الفلاحي بالتحديد جراء ظروف النقل التي تفتقر إلى أدنى مقومات السلامة وصيحات الاستغاثة التي تطلق في كل مناسبة بشأن ضرورة توفير سبل الحماية لهن عبر التشريعات التي تحافظ على حقوقهن المادية والمعنوية وعن طريق تأمين ظروف عمل  خالية من المخاطر التي تهدد حياتهن وسلامتهن الجسدية.

ورغم هذه الوقائع ورغم عشرات المقالات التي تم تحبيرها والعرائض والمنابر الإعلامية التي أتت على هذا الموضوع إلا أن الوضعية ما تزال تراوح مكانها.

وبالتأكيد لن يكون عيد الشغل مناسبة لحلّ كل هذه المشاكل العالقة لكن لا ضير في أن يكون فرصة لتذكير أصحاب القرار سواء من الفاعلين السياسيين او المشرّعين أو حتى  أرباب المال والأعمال بالوضعية المتردية لفئة كبيرة من التونسيات اللواتي يوفرن الغذاء للتونسيين ويتكفلن بعائلات ولابد من حمايتهن من المخاطر والتهديدات وتأمين كرامتهن عبر المساواة بينهن وبين الرجال في عدد ساعات العمل وفي الأجور التي ما تزال متدنية جدا ولا تتسق مع المجهود البدني المبذول وعدد ساعات العمل.

ولعل الملف يحتاج إلى أن يفتح الآن حتى لا يظل موضوعا موسميا يطرح في اليوم العالمي للمرأة  في 8 مارس من كل سنة على سبيل المثال وليس الحصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

على هامش الاحتفاء بالبروفيسور الباوندي : كيف نستثمر في البحث العلمي؟

حل بيننا البروفيسور منجي الباوندي صاحب جائزة نوبل للكيمياء  ضيفا على تونس بلده الأصلي وتم …