مباشرة بعد سويعات من توليها مهامها تجد وزيرة التربية سلوى العبّاسي نفسها أمام «ارث» لأزمة معقّدة في القطاع التربوي بين سلطة الإشراف والنقابات وتراكمات لملفات ومطالب مختلفة واتفاقات سابقة غير مفعّلة مازالت عالقة وتمثل الأسباب الأولى لتصعيد النقابات وتوتر العلاقة بين الطرفين وانسداد أفق الحوار.

وتزامن تعيين وزيرة التربية الجديدة مع إصدار الجامعة العامة للتعليم الأساسي لبيان صدر في غرة أفريل 2024 يحمل توقيع كاتبها العام يردّ على منشور أصدرته وزارة التربية حول إسناد إدارات المدارس الابتدائية الشاغرة وتطالب صراحة بسحبه لتضمنه لتدابير تستنبط الإقصاء وعدم الإنصاف ونسف المكتسبات بالتوازي مع دعوتها المدرّسين إلى مقاطعة عملية الإسناد  التي تعتبر أن مخرجاتها ستشكل عبءا إضافيا على المدرسة الابتدائية بالنظر إلى الخروقات المرتبطة بها وفق ما جاء في نص البيان،كما يأتي ذلك بعد التصعيد الأخير في علاقة بالمستجدات بجهة صفاقس.

فكل المؤشرات والمعطيات تفيد بأن مهمة الوزيرة الجديدة  لن تكون سهلة رغم أنها على دراية كافية بالملفات وبالقطاع باعتبارها كانت تشغل خطة متفقدة عامة للتعليم الثانوي قبل تعيينها وهي العارفة بكواليس التربية ومعظم مشاكلها،ومن شأن تجربتها أن تخوّل لها تحريك وإدارة الملفات العالقة بالمرونة اللازمة في اتجاه إنهاء سنة دراسية على أفضل ما يكون وإيجاد مخرج للأزمة مع الطرف النقابي ووضع أسس إصلاح القطاع التربوي.

فالحجم الهائل للملفات العالقة وثقلها وجملة التحديات والرهانات وفي مقدمتها ملف الشهادات المدلّسة وملف المعلمين النوّاب الذي دعا رئيس الجمهورية قيس سعيد في أوّل لقاء أول أمس الثلاثاء مع وزيرة التربية سلوى العباسي مباشرة بعد أدائها اليمين  بقصر قرطاج إلى ضرورة إيجاد حل جذري ونهائي للمعلمين النواب بناء على مقاييس موضوعية يحفظ حقوقهم وحقوق الناشئة على حد سواء وحتى يتم القطع نهائيا مع هذا الوضع، يضعها أمام مسؤولية جسيمة لا تحتمل الإخفاق نظرا للأهداف المنتظرة منها في السياق الحالي ولدور وزارة التربية المحوري والهام والتي نعتبرها وزارة سيادية بامتياز.

فنجاح الوزيرة في مهمتها على أحسن وجه رهين حسن إدارتها لمجمل هذه الملفات المطروحة ومعالجة مختلف المطالب وبالشفافية اللازمة والجدوى المطلوبة ومحاولة إذابة الجليد بين سلطة الإشراف والطرف النقابي وفق ما يخدم المصلحة العامة ومصلحة التلاميذ والحرص على تكوين أجيال قادمة في بيئة ملائمة ووفق نسق دراسي يحترم المعايير الدولية لضمان جودة التعليم ومستوى جيّد للتلاميذ واستمرار نجاح بلادنا في المستقبل في التعويل على كفاءاتنا ومواصلة مراهنتها على المدرسة العمومية كقاطرة للتعليم.

ونعتقد أن تجربة الوزيرة الحالية والمتفقدة العامة للتعليم الثانوي بوزارة التربية سابقا وخبرتها ودرايتها بتفاصيل ومشاغل القطاع التربوي من مدرّسين وتلاميذ وغيرها من المسائل الأخرى التي نجهل محاورها وتفاصيلها ،ستكون عامل قوة وعنصرا أساسيا لخلق الفارق واستنباط الحلول لإعادة الأمور إلى نصابها وإعادة بوصلة التعليم العمومي.

فهناك اليوم أولويات بين العاجل والآجل مطروحة بقوة على وزيرة التربية سلوى العباسي، فالمسائل العاجلة التي تتطلب الحسم فيها وفق تقديرنا هي ضمان مصلحة التلميذ في القطاع العمومي الذي أصبح ـ للأسف ـ في السنوات الأخيرة «كرهينة» يتم هضم حقه في الدراسة بسبب الاحتجاجات والإضرابات في قطاع التربية بعيدا عن أسبابها وخلفياتها ،وعلى سلطة الإشراف اليوم إيجاد آلية للحسم في هذه المسألة وأن يتم تحييد التلميذ في أي «معركة» أو صراع محتمل بينها وبين الطرف النقابي وأن يتم حل المشاكل العالقة تدريجيا في سياق عام ضامن للسير العادي للدراسة والامتحانات وحقهم في معرفة أعدادهم ومعرفة مستوياتهم التعليمية والمعرفية لتمكينهم من التدارك في الإبان.

مسألة أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها ينتظر إيجاد حلول لها تتمثل في المطالب المشروعة للمدرسين وإنصافهم بعيدا عن الصراع مع الطرف النقابي وآثاره العكسية على حقوقهم ومكتسباتهم إضافة إلى إمكانية دراسة دعوة الجامعة العامة للتعليم الثانوي وغيرها لفتح صفحة جديدة والعودة إلى طاولة الحوار وإيجاد حلول جذرية لكافة المسائل العالقة خدمة للمدرسة العمومية ولمستقبل الأجيال القادمة ولصورة وجودة التعليم في تونس ولمصلحة التلميذ أوّلا وأخيرا..

أما المسائل الآجلة نسبيا وفق رأينا فتتمثل في إعداد برنامج شامل للعناية بالبنى التحتية للمدارس والمعاهد العمومية وإعادة تهيئتها وصيانتها وفق المعايير الدولية بما يضمن فضاء ملائما للتدريس ولتلقي التربية والتعليم ويحترم الذات الإنسانية ،خاصة في المناطق الداخلية والحدودية التي تشكو عديد النقائص إن لم نقل افتقاد أغلبها لأبرز الأساسيات في علاقة بالسلامة الصحية وأمن التلاميذ وحمايتهم بهدف إرساء العدالة في التعليم بين كافة أبناء شعبنا وفي مختلف الجهات وفق مبدإ العدالة والإنصاف والمساواة،وذلك بالتوازي مع تفعيل نتائج الاستشارة الوطنية لإصلاح التعليم المنتظرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

في العناية بنظافة المدن..

لا شيء يمنعنا اليوم من مزيد العناية بنظافة وجمالية المدن التونسية خاصة وأن للبلديات تجارب …