هل ضاعت الحقيقة مرة أخرى..؟ سؤال يطرح نفسه بقوة ويعيد ملف القضية الى الطور الأول ما قبل الاغتيال… أي الى تلك اللحظة التي أصبح فيها شكري بلعيد مصدر ازعاج وارباك للحركة الاخوانية زمن حكمها وحين أصبح صوته عاليا مخترقا لمنظومة الحكم ولأدبيات حركة النهضة ومن ثمّة شبكة علاقاتها الاقليمية والدولية بالاخوان المسلمين فروعا وأصولا وبالتنظيمات الارهابية الجهادية أذرعا وأجنحة والتي وفدت على تونس في تلك الفترة من كل الآفاق السلفية…

نحن ـ هنا ـ نتحدث عن تلك اللحظة التي تقرّر خلالها اغتيال السياسي والأمين العام لحركة الوطنيين الديمقراطيين شكري بلعيد بعدما أصبح «خطرا جاثما» على «دولة الاخوان» في صورتها الأولى (حكومة الترويكا الأولى) والتي تولت الحكم في 24 ديسمبر 2011 وترأسها حمادي الجبالي وكان وزير داخليتها علي العريض ووزير عدلها نورالدين البحيري واستمرت الى غاية 13 مارس 2013 وفي الأثناء أي بتاريخ 6 فيفري 2013 تم اغتيال شكري بلعيد في واقعة دموية مشهودة كادت أن تأخذ البلد في تلك الفترة الى حالة من الفوضى والتقاتل الأهلي لو لا ألطاف الله «وحكمة أهل تونس» وقد تم قبل ذلك وضع كل المقدمات التي حرضت على اغتياله وحولته الى «اغتيال الضرورة» من أجل استقرار السلم ومن أجل تحقيق «أهداف الثورة» ـ كما حدّدتها «دولة الاخوان»…

شكري بلعيد تم اغتياله أكثر من مرة (قبل الاغتيال الدموي) على منابر الجمعة وفي خطبها وتم اغتياله قبل وبعد الصلوات الخمس في مساجد الاخوان… وتم اغتياله في الشوارع والفضاءات العامة التي احتلتها الجماعات السلفية وكل الأجنحة الجهادية والدموية ولم يتردد وزير الداخلية علي العريض في التحريض عليه عبر خطاب «تظلمّي» لم يخفِ «نواياه» التي تؤكد بأن شكري بلعيد لن يستمر على ما هو عليه حيث خاطب علي العريض التونسيين من «بلاتو» حصّة تلفزيونية مباشرة على القناة الأولى وأكد بالحرف الواحد «بأن شكري بلعيد هو سبب الخراب الذي تعيشه تونس وأنه حيثما حلّ جهويا أو مركزيا فإنه يدعو الى التخريب والى الفوضى وهو لا يعترف بالدولة ولا بالسلطة القائمة»…

هذا ما جاء على لسان وزير داخلية الترويكا الأولى (والتسجيل موجود) وفيه كما هو واضح رسالة ضمنية الى أنصار الحركة ومريديها ولجانها وأجنحتها بأن شكري بلعيد لن يستمر على ما هو عليه ما دام على هذه الحال من العصيان وما دام «داعية تخريب ولا يؤمن بالدولة» ـ كما جاء في توصيف العريض خاصة وأن المناخات التي صنعتها «دولة الاخوان» في تلك الفترة من سنتي 2012 ـ 2013 كانت مناخات جحيمية استولت فيها «الرهوط السلفية» بكل فرقها على الشوارع والفضاءات العامة وأشاعت الخوف والرهبة بين الناس وأصبح «التوجس» عنوانا لمرحلة عرفت خلالها تونس «أياما وليالي» شبيهة «بأرذل العمر»…

لقد تم اتخاذ قرار اغتيال شكرلي بلعيد في تلك اللحظة التي تحول خلالها الى خطر على استقرار واستمرار «دولة الاخوان» والتي جاء عرّابها «بمشروع حكم» ـ لن يقوم من بعده حاكم من غير ملّتهم ـ كما يقولون ـ وهو المشروع الذي لم يصبر حمادي الجبالي على «افشائه» فأعلنه على الملإ قبل أوانه حيث صرخ بصوت عالٍ وكان يخطب بين أنصار الحركة :«نحن اليوم نضع أسس الخلافة السادسة»…! و«الخلافة» منظومة حكم دموي لا تتردّد في قتل الآباء أو الابناء أو الأشقاء إن هم تحوّلوا الى عائق أمام «حكم الخليفة» وشكري بلعيد كان حجر عثرة صلبة وقويّة ومقنعة ومهدّدة ـ بالفعل ـ «لدولة الاخوان» وكان لا بد من قتله بل إن قتله في مثل هذه الاحوال المريبة إنما هو «واجب دولة» خاصة إذا ما كانت «أدبيات» هذه الدولة فيها كل ما يبرّر «الاغتيال» من فتاوى ونصوص شرعية…

نعود الى سؤال البدء… هل ضاعت الحقيقة مرة أخرى…؟

لقد نجحوا على امتداد عشرية كاملة في اتلاف ملف الجريمة بل نجحوا في توزيع الدم على قبائل مجهولة النسب والهوية… ونجحوا في تشغيل «ماكينة الاتلاف السريع» لترفع حائطا اسمنتيا مسلحا بين الحقيقة وطالبيها…

إلا أن اصرار رفاق الشهيد وتحديدا نساء ورجال هيئة الدفاع كان اصرارا «اسمنتيا صلبا» بدوره… فلم يحبطهم تواطؤ الحكومات ولا نذالة الخونة والمرتزقة ممّن توزعوا بين المحاكم وممّن سعوا الى اتلاف الملف ومن ثمة اتلاف الحقيقة وقد تمكنوا بفضل عزمهم وقوة اصرارهم من إعادة الملف وكل التحقيقات إلى طورها الأول… ولم يكن الأمر هينا في الواقع الى أن تدخل الرئيس قيس سعيد وطالب باستعجال التحقيقات وانهاء التقاضي بما يضع حدّا لملف اغتيال الشهيد شكري بلعيد… ما حدث بالفعل وما وصل بنا في الأخير الى ما قضت به فجر أول أمس هيئة الدائرة الجنائية الخامسة المختصة في قضايا الارهاب من احكام تراوحت بين الاعدام لاربعة من المتهمين وأحكام سجنية بين عامين و120 عاما…

فهل انتهى الملف عند هذا الحدّ…؟ أم أن الأمر يتعلق بحلقة أولى في علاقة بمجموعة التنفيذ وأن التحقيقات ما تزال جارية فيما يخص جهة القرار أي الجهة التي دبرت وقررت ومولت وهي المسؤولة فعليا اخلاقيا وسياسيا على واقعة الاغتيال… وهل تمكنت هذه الجهة ـ بالفعل ـ وعلى امتداد العشرية السابقة من اتلاف كل ما يدل عليها وكل ما يثبت تورطها خاصة وأنه كان لها «رجل متنفذ على رأس وكالة الجمهورية ساهم في اتلاف كل الوثائق التي كان بامكانها كشف كل الوجوه التي دبرت أمر الاغتيال ونعني هنا وكيل الجمهورية المعفى البشير العكرمي الذي أخفى الوثائق الاساسية بل هو طمس كل ما كان يمكن أن يؤدي الى الحقيقة كاملة مع العلم.. وهنا نشير الى أمر على غاية من الاهمية أن الأحكام الصادرة فجر أمس قد جاءت اعتمادا على الابحاث والسماعات التي أجراها وكيل الجمهورية البشير العكرمي الموجود حاليا على ذمة القضاء وهي أبحاث وسماعات منقوصة ـ ما في ذلك شك ـ بل هي مهيأة على مقاس «جهة التدبير والقرار» حتى يفصل وصلها بمجموعة التنفيذ المشتبكة بدورها بالجهاز السري لحركة النهضة وهو حلقة الوصل بين «جهة القرار» ومجموعة التنفيذ وبالتالي فإن الاجابة الكاملة عن سؤال «من دبّر ومن قرر ومن موّل عملية اغتيال شكري بلعيد لن تتحقق الا بعد اعادة تفكيك ملف الجهاز السري وهو جهاز من أجهزة حركة النهضة على ما نعلم…

وتأسيسا على ما ذكرنا وغيره فإن ملف اغتيال الشهيد شكري بلعيد قد كشف عن فصله الاول بمحاكمة مجموعة التنفيذ في انتظار الكشف عن «جهة القرار» والتي تكاد تعلن عن نفسها و«بيان البراءة» الذي صدر أمس عن حركة النهضة وعبرت من خلاله عن فرحها بما أسمته براءتها من دم بلعيد يشبه ذاك القول المأثور :«كاد المريب ان يقول خذوني»…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

عن قمّة تونس الثلاثية و«الوعي القيادي» بطبيعة المرحلة..!

 أثار انعقاد القمّة الثلاثية في تونس بدعوة من الرئيس قيس سعيد ردود أفعال مختلفة ومتباينة و…