2024-03-20

عن تونس المنسيّة: متى تتحقق انتظارات سكان المناطق الداخلية؟

مشهد طوابير التونسيين أمام نقاط بيع بعض المواد  من المنتج إلى المستهلك ومشاهد التدافع من اجل الظفر بكيلوغرام موز من الذي تولت الدولة تسعيره بخمسة دنانير وغيرها من المشاهد تشي بأن الحرمان بلغ مبلغا عظيما من التونسيين.

وإذا كانت هذه هي الصورة في العاصمة مثلا او في بعض المدن الكبرى فما هي الوضعية في المناطق التي سقطت سهوا من حسابات الدولة التونسية منذ الاستقلال وبقيت خارج دائرة التنمية؟

ولعل الصور التي تابعناها من خلال زيارة رئيس الجمهورية قيس سعيد الى الجنوب التونسي تقول الكثير وتختزل الوضع ربما في هذه المنطقة وفي غيرها من «الدواخل» حيث تغيب المشاريع التنموية الكبرى ويحضر التهميش.

ولعل استحضار الوقائع التاريخية هنا مهم جدا ويحيلنا على مكابدة فئات كثيرة من أبناء الشعب التونسي في كل المراحل، هؤلاء الذين  شاءت الجغرافيا ان يقطنوا بعيدا عن السواحل او على تخومها سواء في المناطق المرتفعة شمالا او في السباسب  في الوسط او في المناطق الصحراوية القاحلة جنوبا. واختارت الدولة المركزية دوما وعلى امتداد التاريخ ان تكون هذه الفئات خارج دائرة اهتمامها تنمويا فقد كانت تعوّل عليها كـ«وقود» لبعض الحروب والتوترات وكمصدر للغذاء باعتبارها تنتج مواد فلاحية متنوعة وفي العقود الأخيرة أصبحت بمثابة الخزان الانتخابي فقط. ولعل صرخة ابن عم الشهيدين مبروك وخليفة السلطاني قائلا ان انتماءه لتونس يتجلى في بطاقة التعريف فحسب،  تختزل  أزمة الدولة الوطنية بكل معانيها وأبعادها.

ولأن التاريخ في ظاهره لايزيد عن الإخبار وفي باطنه نظر وتحقيق فقد علّمنا أن كل الثورات والانتفاضات الكبرى ضد الحيف والتهميش  انطلقت من تلك المناطق منذ الدولة الحفصية مرورا بثورة علي بن غذاهم وصولا إلى أحداث 14 جانفي 2011.

ولكن التاريخ الأخير راهن عليه التونسيون كثيرا وعلّقوا عليه آمالا ربما غير مسبوقة  بعد ان جابت صورة انتفاضتهم ارجاء المعمورة وبعد ان كسروا حاجز الخوف وقالوا لا للضيم والحيف ورفعوا شعارات العدالة والكرامة. وخال الكثير من المتابعين أن المسار الانتقالي في تونس سيكون واعدا للفئات المهمشة والجهات المحرومة على وجه التحديد من أجل تنمية عادلة لا تمييز فيها بين الطبقات أو الفئات أو الجهات. ولعل المجال هنا لا يتّسع لتعديد الأحلام التي عبّر عنها التونسيون في هذه الفترة تماما كما لا يتّسع المجال لاستعراض الوعود الانتخابية التي نثرها الفاعلون السياسيون عند أقدام المواطنين في هذه الجهات وهم «يحجّون» اليها في كل محطة انتخابية منذ انتخابات المجلس التأسيسي وصولا الى انتخابات 2019.

لكن الوعود المنثورة لم تنبت ولم تزهر في تلك الربوع وظلت من قبيل «كلام الليل المدهون بالزبدة» كما يقول المثل التونسي.

وبعد المخاض العسير الذي عاشته تونس على امتداد ما يربو عن عقد ونيف من الزمن ما تزال الأوضاع تراوح مكانها. فقطعا لم يتم اشباع الانتظارات الشاهقة للتونسيين ولم تتحقق الأحلام المؤجلة ووجدوا أنفسهم «محلك سر» فالجهات المهمشة ازدادت تهميشا مع الأزمة الاقتصادية الخانقة ولم يحدث التمييز الإيجابي المأمول  والفئات الفقيرة ازدادت فقرا والتحقت بها الطبقة المتوسطة التي كانت رمانة الميزان وهي التي خلقت استقرارا اجتماعيا على مدار عقدين من الزمن في مرحلة حكم الرئيس الأسبق بن علي.

واليوم وتونس قاب قوسين أو أدنى من استحقاق انتخابي مفصلي لم يبح حتى الآن بأهم أسراره خاصة بالنسبة الى المترشحين المحتملين من المهم التأكيد على أن المسألة الاقتصادية هي الأولوية الكبرى فالشأن السياسي لا معنى له إذا لم يحقق للمواطنين مقومات العيش الكريم. وهو ما أعلنه التونسيون بطرائق مختلفة وفي أكثر من مقام عندما اظهروا عزوفهم عن السياسة  وتبرّمهم من الأحزاب السياسية ومن الوجوه التي طبعت مرحلة ما بعد 14 جانفي 2011 ومن السياسات الخاطئة التي ساهمت في تدهور أوضاعهم وتراجع ظروف معيشهم اليومي كما أداروا ظهورهم لكل الفاسدين الذين نكّلوا بهم بطريقة او بأخرى.

وسلوك عموم التونسيين هذا يمكن أن يكون «خارطة طريق» للفاعل السياسي اليوم لينتبه لنبض الشارع وللانتظارات الحقيقية لتونس الأعماق التي لم يتغير فيها شيء وقد تابع رئيس الجمهورية ذلك بنفسه من خلال الزيارات الميدانية التي قام بها مؤخرا إلى المناطق الداخلية والى مقرات عديد المؤسسات العمومية التي كانت بمثابة قاطرة للمشاريع الاقتصادية الكبرى لكنها أصبحت متآكلة وتحتاج إلى إعادة بناء.

وإعادة البناء هي الكلمة المفتاح اليوم في مسيرة التونسي فبعد أن أظهر المسار الانتقالي حدوده وفشله في تحقيق أحلام التونسي اليوم لابد من الرهان على سياسات جديدة في كل المجالات وفي مقدمتها القطاع الاقتصادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إزاء أزمة المهاجرين: لماذا صمت المجتمع المدني؟

أزمة الهجرة السرية تتفاقم يوما بعد آخر والسلطات التونسية تتفاوض مع الشركاء الأوروبيين  وخا…