2024-03-17

قرضان جديدان من البنك الدولي.. الطابع «الإنساني» لا يحجب المخاطر.. !

كشف بلاغ صادر أول أمس الجمعة 15 مارس 2024 عن البنك الدولي أن مجلس المديرين التنفيذيين لهذه المؤسسة المالية العالمية وافق على إسناد تونس قرضين جديدين لمعالجة تحديات الأمن الغذائي والحدّ من التفاوت الجهوي.
وأوضح مدير مكتب البنك الدولي في تونس لوسائل الإعلام، أن القرضين يتنزّلان في إطار الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين للفترة 2023 – 2027 وهما يأتيان في سياق الاستمرارية، والبنوك كما هو معلوم، سواء كانت وطنية أو اقليمية أو دولية، هي في نهاية المطاف ليست مؤسسات خيرية ولا تطرق باب أحد، لكنها لا تخذل في نفس الوقت من يستجير بها ويستنجد بمالها.
والبنك الدولي، خلافا ربّما لصندوق النقد الدولي، وهما من أهم ركائز المنظومة الأممية، لا يُشهر نفس الشروط والإملاءات، وله تقاليد في متابعة تنفيذ المشاريع الممولة بدقّة متناهية، فيما يربط الصندوق قروضه بالسياسات الوطنية والخيارات الليبرالية للقوى النافذة في العالم بشكل فجّ وابتزازي وهو ما يفسّر تعثر مفاوضات حصول بلادنا على قرض منذ ثلاث سنوات.
وإذا عدنا أيضا إلى حصاد الوظيفة التشريعية وإحصاء مجمل القروض التي زكّاها نواب الشعب من عديد الجهات، يجوز القول أننا ما نزال أسرى في مربع الخيارات الاقتصادية السابقة لمنظومات الحكم المتعاقبة بعد 2011 والتي أثقلت كاهل التونسيين لدرجة يقول فيها بعض الخبراء والمختصين أن في رقبة كل مواطن ديْن يحوم حول العشرة آلاف دينار للخارج وهذا خطر داهم لأنه لا يقلقنا في الحاضر فحسب ولكن يعيق حياة الأجيال القادمة.
ونستحضر هنا الضغط الذي عاشته الحكومة خلال السنة المنقضية من أجل تسديد الديون المتخلدة بذمّة الدولة التونسية واعتبار ذلك مفخرة وانتصارا وخيارا وحيدا لبيان الصدقية والمصداقية من جهة، ومن جهة ثانية ضمان استمرار التداين للأسف في غياب الحلول الوطنية.
إن الطابع «الإنساني» الذي يميز قروض البنك الدولي لا يحجب عنا خطورة الارتهان للخارج والعجز في التعويل عن الذات.
صحيح أن أحد القرضين الأخيرين سيساهم في استكمال مشروع «الاستجابة الطارئة للأمن الغذائي» في تونس الذي بدأ منذ 2022، وسيساعدها على مواجهة انعكاسات أربع سنوات متتالية من الجفاف من خلال ترشيد الواردات من القمح ودعم صغار الفلاحين والمنتجين، وصحيح أيضا أن القرض الثاني يهدف إلى تقليص التفاوت الاقتصادي بين الجهات على مستوى الممر الاقتصادي القصرين سيدي بوزيد صفاقس، من خلال تطوير البنية التحتية لهذا المحور وما يعنيه ذلك من تيسير التنقل في هذا الإقليم، بيْد أن السؤال الذي يطرح نفسه هو عن مصير بقية الأقاليم والجهات وعن خطة العمل لما بعد هذه الاستجابة الطارئة للأمن الغذائي.
بعبارة أخرى، ما هو بديلنا لتأمين المستقبل واستبدال الاقتراض الخارجي بحلول وطنية ليس من الضروري أن تكون غير مسبوقة في التاريخ بقدر ما يجب أن تكون فعّالة وضامنة للسيادة ولاستقلال القرار الوطني وقادرة على تحقيق الكرامة لعموم التونسيين.
وكم هو مخيف ومؤسف في نفس الوقت أن نستحضر أن تونس مطالبة بتسديد أصل حوالي 11 قرضا وآلية تمويل خلال سنة 2024 بعملتي اليورو والدولار إلى جانب العملة المحلية، ليس ذلك فحسب، تُقدّر الزيادة في ديوننا خلال هذا العام بنسبة 6,1 بالمائة.
ولا يحتاج الأمر لاجتهاد كبير للوقوف على حقيقة مؤلمة أيضا وهي أن ميزانية 2024 على سبيل المثال، وما يصدر عن المسؤولين في الدولة لا يظهر ولا ينبئ بأنه ثمّة حلول جذرية في الأفق لتجاوز معضلة التداين سواء الخارجي منه أو الداخلي، فالحلول تكاد تكون إما بسيطة وذات مردودية محدودة على غرار فكرة الشركات الأهلية أو حتى الصلح الجزائي، أو غائبة تماما.
إن الأمر يتعلق بخيارات اقتصادية كبرى كي لا نقول بمنوال تنموي جديد، فالشركات الأهلية على سبيل المثال فكرة نبيلة وطريفة وشكل من أشكال الاقتصاد التضامني الاجتماعي الذي لا يمكن له بشكله الحالي بناء دولة قوية قادرة فالطاقة التشغيلية وخلق مواطن الشغل تظل محدودة وكذلك المردودية والمساهمة في الدخل الوطني الخام وخلق الثروة، كما أن تجربة الصلح الجزائي لن تختلف في تقديرنا عن تجربتي العدالة الانتقالية والصلح الاقتصادي الذي نفذته منظومات الحكم السابقة فنحن بحاجة الى النهوض بالاستثمار في القطاعين العام والخاص، وفي ظل ارتباك المشهد والوضع الاستثنائي لرجال الأعمال و«العمايل» وعدم قدرة الدولة على الاستثمار من جهتها، فان اختلال هذه المعادلة يكرّس التعويل على التداين والارتهان الى الخارج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إنقاذ «المصعد الاجتماعي» لم يعد يحتمل التأجيل: «التوانسة» يواصلون تعديل ساعاتهم على الباكالوريا

«نسبة النجاح مشرّفة جدّا».. هكذا علّقت وزيرة التربية سلوى العباسي على نتائج الدورة الرئيسي…