2024-03-15

استعدادا للاستحقاقات السياسية وتفاعلا مع الإكراهات الاجتماعية : إعفاءات وتوجيهات لترتيب البيت الداخلي..!

أقدم رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال الأيام القليلة الماضية على إقالة وزيرين وإعفاء واليين، كما اختار تركيبة لجنة الصلح الجزائي واستقبل على التوالي وزيري الداخلية والعدل وذكّرهما ـ ونحن بطبيعة الحال ـ بالثوابت وبضرورة الانتصار في ما أسماها الحرب الوطنية للتحرير التي تنبني على الحرية والعدالة وفرض احترام القانون وتطهير الإدارة وتتبع من سوّلت له نفسه الارتماء في أحضان الخارج أو تحريك لوبيات الداخل.

ولا يمكن فصل هذه الخطوات التنظيمية لترتيب البيت الداخلي لمنظومة الحكم عن السياق السياسي والاجتماعي الذي تمت فيه، فنحن في زمن انتخابي بامتياز نمرّ من مرحلة تركيز الغرفة الثانية الى الاستعداد الى الانتخابات الرئاسية في الخريف القادم في إطار المشروع السياسي للرئيس، وسط أوضاع اقتصادية أقل ما يقال فيها أنها ليست على ما يرام بالإضافة إلى انعكاسات ذلك على حياة الناس وعلى تفاقم الشعور بالقلق جرّاء عجز طيف واسع من التونسيين عن تحقيق العيش الكريم.

والقلق تجاوز ميدان خصوم الرئيس ووصل إلى خندق الأنصار، حيث بدأت بعض المكونات السياسية المساندة والمساندة نقديا للمسار في المجاهرة بذلك على غرار حزب حراك 25 جويلية وحزب مسار 25 جويلية وحركة الشعب وحركة الى الأمام وغيرها..

أكثر من ذلك، تكشف جولة بسيطة في أسواق العاصمة والمدن الداخلية خلال الايام الأولى لشهر رمضان استمرار موجة غلاء الأسعار واستمرار ما يمكن أن نسميها أزمة مسالك التوزيع التي تترجمها حالة التزود والتزويد في الدكاكين والفضاءات التجارية الصغرى والكبرى، والانتصاب الفوضوي في مداخل المدن دون المرور بأسواق الجملة رغم تلك الحملات الناجحة التي نفّذتها فرق المراقبة الاقتصادية والأمن في الفترة الماضية، ويبقى السؤال محيّرا عن تلك الشاحنة التي تعبر المسالك الصعبة والطرق الطويلة لتدخل قلب العاصمة ويبيع صاحبها خضره وغلاله بطريقة عشوائية قدّام دكان تكبّد صاحبه عناء تسوية وضعه القانوني..!

وقد عبّر الطرف الاجتماعي عن هذا الوضع في بياناته وتجمعاته العمالية الأخيرة وطالب الاتحاد العام التونسي للشغل بضرورة العودة الى الحوار، السبيل الأمثل والأسلم لتنقية الأجواء وتحصين السلم الأهلي للخروج من هذه الأوضاع الصعبة ولاستكمال شروط هذه السلم لا مناصة من الالتفاتة أيضا الى منظمات الأعراف والفلاحين وغيرها من القطاعات المهنية.

ولعلّ هذه المعطيات هي التي تؤرق صراحة رئيس الجمهورية الذي كشف أنه يتلقى بشكل منتظم كمّا هائلا من التشكيات الصادرة عن المواطنين الذين أصبحوا يضيقون ذرعا من صمت وفشل المسؤولين في المستويات المركزية والجهوية والمحلية.

وهنا نقول بكل موضوعية وصراحة أيضا ان الأمر يُفسّر بحقيقتين. الأولى أن طيفا من هؤلاء المسؤولين ليس في مكانه وهو ما نستشفه حتى من التقييم الذي قدّمه الرئيس نفسه عند حديثه عن أداء وعجز أحد الولاّة وتقصيره في التواصل مع من يُفترض أنهم مساعدوه في الولاية كالمعتمدين والعمد وغيرهم، والأسوأ من ذلك عدم علمه بانقطاع الماء والكهرباء في الجهة والحال انه هو المسؤول الأول عن السير العادي للمرافق العمومية فيها كما يؤكد ذلك ساكن قرطاج.

أما الحقيقة الثانية فيمكن اختزالها في السؤال البسيط هنا، من وضع هذا الوالي على رأس الولاية وعلى قاعدة أي معايير؟. ونفس الأسئلة تُطرح حول الوزيرين المقالين، وزير النقل ووزيرة الثقافة، لماذا وكيف عُيّنا ولماذا أقيلا ؟ وهل يختلف هذان الوزيران عن بقية زملائهما في القصبة ؟ وكم ستدوم فتره الإشراف بالنيابة على وزارة بحجم وزارة النقل مثلا التي تشرف على شركات النقل الكبرى ببلادنا والتي تُعدّ في حد ذاتها مؤسّسات بحجم بعض الوزارات.؟.

قد يكون رئيس الجمهورية مقتنعا بضعف حصاد بعض الوزراء لكن ما نعتبرها «مقاربة التمرير الناعم» لقراراته وإجراءاته تجعله حذرا ومتأنيا في ترتيب البيت الداخلي لمنظومة الحكم أخذا بعين الاعتبار حساسية المسألة، ليس إزاء الرأي العام والخصوم فقط وإنما أيضا أنصاره الذين يريدون نصيبهم في التعيينات وإبداء الرأي كذلك في الترتيبات وقد بلغ الامر بأحد الاحزاب المساندة مطالبة رئيس الجمهورية بإعلان الترشح في الانتخابات الرئاسية للبدء في الحملة الانتخابية بل والاحتجاج على احد الولاة لأنه رفض الانخراط في هذا العمل..

ولعلّ من بين أهم النقاط كي لا نقول أهمها تلك المتصلة بالقضاء، صحيح ان الرئيس يلتقي بشكل دوري مع وزيرة العدل ولا يكتفي بإثارة موضوع العدالة معها بل تكاد تكون هذه المسألة مدرجة على جدول أعمال جميع اللقاءات مع الوزراء، لكن عبءا قانونيا وسياسيا وقيميا بدأ يلقي بثقله على منظومة الحكم ـ الأمور بخواتيمها ـ وهو ما عبر عنه الرئيس بوضوح يوم الاربعاء عند لقائه بوزيرة العدل ليلى جفال حين أكد على ضرورة تطبيق القانون على الجميع على قدم المساواة والبت في عديد القضايا التي ما تزال منشورة «تتقاذفها الإجراءات وكل ما عُقدت جلسة إلا وتمّ تأجيل النظر في القضية المعروضة أمام المحكمة» على حد تعبيره.

والمقصود هو بطبيعة الحال جميع القضايا، لكن بشكل أدق القضايا المندرجة في إطار «حرب التحرير» وبعض هذه القضايا حساس ودقيق يتقاطع فيه الداخل بالخارج وله انعكاسات سياسية واجتماعية وخاصة مالية قد تكون لها صلة بالصلح الجزائي وهذا الامتحان الكبير أمام المشروع برمّته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لفائدة «جيب» المواطن.. واقتصاد البلاد السياحة الداخلية بحاجة للإنقاذ..!

شكّلت السياحة في بلادنا عبر التاريخ العمود الفقري للاقتصاد التونسي، وهذا خيار ليس للنقاش ا…