2024-03-12

وكالة فيتش للتصنيف الائتماني ومؤسسة كابيتال إيكونوميكس : التداين الداخلي يضر القطاع البنكي ويتسبب في ارتفاع التضخم وتراجع قيمة الدينار

تحتاج تونس إلى تعبئة تمويلات بقيمة 23.49 مليار دينار، لتغطية عجز الميزانية البالغ 7.49 مليار دينار وتسديد ديونها المقدرة بما يناهز 15.7 مليار دينار منها 6.67 مليار دينار ديون خارجية و9.12 مليار دينار ديون داخلية دون أن ننسى 5.3 مليار دينار فوائد الدين. وفي ظل وضع اقتصادي صعب يتسم أساسا بندرة التمويلات الخارجية, لجأت الدولة الى التداين الداخلي كحل استراتيجي من اجل الاقتراض وعمدت أولا إلى اقتراض 7 مليارات دينار من البنك المركزي لتسديد قروض خارجية وتمويل نفقات لسنة 2024 مع إمكانية اللجوء مستقبلا الى طلب قروضا أخرى إذا ما تواصل شح الموارد المالية الخارجية.

وأثار هذا الخيار مخاوف لدى الكثير من المتابعين للوضع الاقتصادي وأيضا مراقبين دوليين مما قد يجره تنامي الاقتراض الداخلي على ديمومة القطاع البنكي وصلابته على غرار وكالة فيتش للتصنيف الائتماني التي أكدت في آخر مذكرة صادرة  لها بحر الأسبوع الفارط أن البنوك التونسية قادرة على الاستمرار في المساعدة في تلبية الاحتياجات التمويلية المتزايدة للبلاد سنة 2024  طالما يتمتع بالسيولة الكافية في ظل نمو الودائع وانخفاض الطلب على الائتمان لكنها أيضا حذرت من أن استمرار الاعتماد عليها بدرجة كبيرة قد يضغط على السيولة لدى القطاع وسيرفع تعرضه للديون السيادية بعد تراجعه في العام الماضي.

ووفق ذات المذكرة فإن تونس اعتمدت بشكل متزايد على القطاع البنكي لتمويل الميزانية نظرا لتعثر الاتفاق مع صندوق النقد الدولي وندرة مصادر التمويل الخارجي الأخرى مشيرة الى أن ميزانية السنة الجارية تتوقع زيادة احتياجات التمويل الإجمالية 20% مقارنة بالعام الماضي، لتصل إلى 28.7 مليار دينار سيقع تمويل ما يصل إلى 40% منها من مصادر التمويل المحلية، والباقي من خلال التمويل الخارجي.

وفي ظل تغييب الموارد التي كان سيؤمنها صندوق النقد الدولي, أجبرت تونس على توفير ما يقرب من 70% من إجمالي احتياجات التمويل من خلال لجوئها الى التداين من البنوك التجارية والبنك المركزي. الأمر الذي يشكل مخاطر أولا على السيولة لدى البنوك وثانيا على الاقتصاد ككل.

وأشارت فيتش إلى ارتفاع احتياطي النقد الأجنبي في تونس بفضل ارتفاع عائدات القطاع السياح وزيادة تحويلات التونسيين بالخارج إضافة الى تحسن نسق صادرات زيت الزيتون من شأنه أن يدعم قدرة تونس على الوفاء باستحقاقات الديون الخارجية المقبلة لكنها موضحة ان سحب هذه الاحتياطيات للمساعدة في تلبية الالتزامات الخارجية سيؤدي إلى تدهور قيمتها بشكل ملموس في 2024-2025.

وفي حقيقة الأمر لا تعد «وكالة فيتش للتصنيف الائتماني» هي المؤسسة الوحيدة المتابعة للشأن الاقتصادي والمهتمة بوضعية خزينة الدولة التونسية وديونها السيادية, فقد أصدرت مؤخرا أيضا «مؤسسة كابيتال إيكونوميكس» تقريرا تقول فيه أن تونس تسير قدما صوب تخلف فوضوي عن سداد الديون السيادية لأنها تواجه خطرا متزايدا لأزمة في ميزان المدفوعات.

وجاء في تقرير هذه المؤسسة (مقرها في لندن) : «تمكنت تونس من سداد سندات دولية لكن عبر استنزاف احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية» بعدما اتخذت قرارا يسمح للبنك المركزي بتمويل عجز الميزانية, وهذا يدفع البلاد قدما صوب تخلف فوضوي عن سداد الديون السيادية.

وتؤكد هذه المؤسسة أن قيمة إجمالي احتياجات التمويل الخارجية لتونس تعد «مرتفعة» و»مثيرة للقلق لأن إجمالي هذه الاحتياجات المالية يبلغ ما يزيد قليلا عن 200% من جملة احتياطيات النقد الأجنبي المرصودة في البنك المركزي الذي أصبح مطالب بتمويل عجز الميزانية بصفة مباشرة.

وترى مؤسسة «كابيتال إيكونوميكس» إن اعتماد تونس سياسة التداين الداخلي والتي ارتفعت وتيرتها في السنوات الأخيرة بات يهدد بتداعيات اقتصادية خطيرة لا تمس فقط صلابة القطاع البنكي فحسب بل سيؤدي أيضا الى ارتفاع التضخم وتراجع قيمة الدينار .

وفي ظل ما تؤكده كل من المؤسستين المذكورتين إضافة الى تخوفات أهل الاقتصاد من مخاطر تنامي الديون الخارجية التي من شأنها أن تمس صلابة القطاع البنك على غرار ما صرح به محافظ البنك المركزي السابق مروان العباسي، خلال حضوره بالبرلمان «إن التمويل المباشر للميزانية من قبل البنك المركزي سيرفع التضخم بشكل لا يمكن السيطرة عليه»، محذرًا من أن ذلك قد يقود إلى «تكرار السيناريو الفنزويلي في تونس», بات من الضروري البحث عن سبل أخرى لتعبئة موارد الدولة بعيدة عن القطاع البنكي المهدد بديمومته وقدرته على دعم الاستثمار و تمويل المشاريع المنتجة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مع تواصل تراجع انتاج قطاع المحروقات : تونس تعوّل على سوق الهيدروجين الأخضر كبديل

اثبتت كل المؤشرات أن إنتاج الغاز التجاري يشهد تراجعا منذ مدة وقد تجلى ذلك بوضوح في آخر تقر…