2024-03-08

في اليوم العالمي للمرأة الموافق لـ 8 مارس : حتّى لا تتحوّل الريادة في القانون والتشريع إلى غطاء يحجب الواقع

تحتفل البلاد التونسية ككل دول العالم باليوم العالمي للمرأة الموافق لتاريخ 8 مارس من كل عام.. ويجيء هذه السنة محاصرا بأزمات اقليمية ودولية كبرى تبدو النساء أولى ضحاياها بل هن الأكثر استهدافا والأكثر عرضة للعنف والقتل والاغتصاب والتهميش والتهجير وهذا ما تؤكده التقارير الاعلامية التي ترد علينا من مناطق النزاع في العالم…

وبما أننا ازاء «احتفالية دولية» كانت أقرّتها الامم المتحدة ـ رسميا ـ منذ سنة 1975 وتبنتها الجمعية العامة في ديسمبر 1977 فإننا نجد أنفسنا ملزمين مهنيا وأخلاقيا بالاشارة والادانة لكل ما يحصل في قطاع غزة من تقتيل ممنهج للنساء اللاتي يتقدمن الصفوف الأولى في الدفاع عن الارض والعرض وهن يواجهن ـ اليوم ـ أكبر المجازر في حقهن بل ابادة حقيقية لوجودهن… وبحسب التقارير الصادرة عن هيئة الامم المتحدة للمرأة فإن عدد الوفيات في صفوف النساء بقطاع غزة قد بلغ قرابة العشرة آلاف وأكثر وأنه من بين 1.9 مليون نازح هناك قرابة مليون امرأة وفتاة…

نفس الوضعية ـ تقريبا ـ في حرب السودان المنسية حيث تتعرض النساء الى القتل والتنكيل ولكل أشكال العنف والاغتصاب وتفيد التقارير الاعلامية بأنه قبل اندلاع الاقتتال كانت أكثر من 3 مليون امرأة في السودان عرضة لخطر العنف القائم علىالنوع الاجتماعي وارتفع هذا العدد بعد اندلاع الحرب القائمة الآن بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع الى ما يقدّر بنحو 4،2 مليون وفقا لتقارير الهيئات الاممية…

هذه اشارات سريعة من واجبنا التوقف عندها وبالتالي ادانتها في هذا اليوم الذي يحتفل فيه العالم الحرّ «بالمرأة» والتي يختلف وضعها ومعاناتها من بلد الى آخر الا أن معاناتها أكبر وقد تحولت الى «تراجيديا» والى «مأساة» كبرى في «غزة» ـ كما أشرنا ـ وفي السودان وفي أوكرانيا أيضا في حربها ضدّ روسيا وفي كل «الجغرافيا» التي تشهد نزاعات قبلية أو عرقية أو طائفية حيث النساء في «قلب الرحى»…

عودة الى تونس التي تحتفل بدورها باليوم العالمي للمرأة حيث الوضع مختلف تماما في مستوى القوانين والتشريعات والتي تعتبر رائدة مقارنة بما هو موجود في البلاد العربية والافريقية وفي بعض البلدان الاوروبية أيضا الا أن «حرب النساء» في تونس ـ إن صحّ الاستعمال ـ إنما تُخاض ضدّ الجهل وضدّ الثقافة الذكورية وضد «العقول المريضة» التي لم تستوعب الى «اليوم» فكرة المساواة التامة بين المرأة والرجل وما تزال مصرّة على تلك النظرة الدونية ـ المتعمّدة والمستفزّة ـ أيضا للمرأة ولحضورها الندّي في كل مؤسسات الدولة والمجتمع وعليه فإن اليوم العالمي للمرأة إنما نعتبره يوما لا للاحتفال فحسب ولا للتنويه بالريادة التونسية في مستوى القوانين والتشريعات الخاصة بالمرأة ولا لتعداد المكاسب التي حققتها الحركة النسوية منذ دولة الاستقلال الى الآن.. فما تحقق قد تحقق بالفعل على أرض الواقع التونسي وبعضه أو أكثره ما يزال حبرا على ورق لعدد من الاسباب أهمّها على الاطلاق «تصلّب» العقلية الذكورية التي تواجهها المرأة التونسية وتتجلى بعمق من خلال مظاهر العنف الموجهة ضدّ المرأة وعدد من الممارسات غير المقبولة في الفضاء العام… وعليه ونحن نحتفل بعيد المرأة وبيومها العالمي أن نتجاوز التشخيص نحو المساءلة التي من شأنها الدفع نحو تطوير ما نعتبره معطّلا مع الدعوة الى تفعيل بعض القوانين التي بقيت ـ للأسف ـ حبرا على ورق وعلى رأسها القانون عدد 58 لسنة 2017 والقانون عدد 51 لنسة 2019 بحيث لم يتراجع منسوب العنف تجاه النساء بل شهد تصاعدا غير مسبوق وأخذ أشكالا متعددة وصلت في الحالات القصوى الى «القتل الشنيع» ففي سنة 2023 تم تسجيل 25 جريمة قتل للنساء في الوسط العائلي و5 جرائم قتل مع بداية سنة 2023 (خلال شهرين فقط) اضافة الى «جرائم عنف مختلفة» وهي جرائم يومية ويحصل أغلبها بالوسط الريفي مع العلم أنّ نسبة بطالة النساء في تونس بلغت ٪21٫1 مقابل ٪13٫2 لدى الرجال…

أمّا في الوسط الريفي فإنّ وضعية النساء في هذا المجال المهمّش تعتبر مأساوية خاصة بالنسبة للعاملات في القطاع الفلاحي حيث تستمر الحوادث على «طرقات الموت» نتيجة النقل العشوائي والذي تسبب في مقتل عدد كبير من النساء الفلاحات وما تزال هذه الحوادث مستمرة بنفس المأساوية وفي الظروف ذاتها وقد سجلنا في بداية سنة 2014 ثلاثة حوادث ورغم ذلك فإنّ الوزارات المتداخلة لم تتمكّن من وضع حدّ لهذه المأساة التي أثبتت فشل المنظومة القانونية وعدم نجاعتها نضيف الى هذا كلّه الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية للنساء العاملات في القطاع الفلاحي خاصة وأنّ تشغيلهن إنما يتم بلا عقود تضمن لهنّ الحدّ الأدنى من حقوقهن مع التفاوت في الأجر بين المرأة والرجل في هذا القطاع الهشّ وانعدام كلّي للتغطية الاجتماعية والصحية… مع الاشارة الى أنّ تونس تحتل المراتب الأخيرة في العالم من حيث ضمان المساواة الكاملة ومن حيث تكافؤ الفرص بين الجنسين.

هذا في الواقع قليل من كثير بحيث لا تتسع المساحة للحديث عن معاناة المرأة التونسية في مجتمع لم يتخلص من «ثقافته الذكورية» عالية النبرة رغم حداثته المبكرة في التربية والتعليم ورغم انفتاحه على ثقافات العالم الذي يمنح المرأة مكانة اجتماعية متقدمة وهي في ذلك متساوية ـ تماما ـ مع الرجل في الحقوق والواجبات وفي المكانة الاجتماعية.

بقي في الأخير التأكيد على ضرورة تشريك هياكل المجتمع المدني الناشطة في مجال حقوق المرأة باعتبار معرفتها الدقيقة بقضايا المرأة وذلك من أجل وضع سياسات عمومية ناجعة وذات فاعلية حقيقية… وجمعية «أصوات نساء» من الجمعيات المرجعية في المجال…

نختم بالتأكيد على أنّ تونس رائدة بالفعل في مستوى القوانين والتشريعات الخاصة بالمرأة لكنّنا نخشى أن تخفي هذه «الريادة» الواقع الذي أشرنا إليه وخاصة في علاقة بمظاهر «العنف الموجه ضد النساء» والذي تفاقم مؤخرا بما يدعو الى الانتباه وبالتالي ضرورة الابتعاد عن خطاب «الريادة» حتى لا تتحوّل الى حجاب يغطي الواقع بكل ما فيه من مظاهر مسيئة للدولة والمجتمع على حدّ سواء..

لينا بن السنوسي

طالبة بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار

ناشطة في جمعية «أصوات نساء»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

غزة : جيش الاحتلال يتوّغل أكثر في رفح والمستشفيات مهدّدة بالتوقّف

الصحافة اليوم (وكالات الأنباء) كثّف جيش الاحتلال أمس الخميس قصفه الصاروخي والمدفعي، جوّاً …