2024-03-07

بعد رفض لجنة النظام رفع الحصانة عن سبعة نواب : ..«قطاعية نيابية»أم إعلاء لسلطة «سيّد نفسه»..!

في سابقة من نوعها رفضت لجنة الحصانة بمجلس نواب الشعب طلبات رفع الحصانة عن سبعة نواب مطلوبين للتحقيق في قضايا مختلفة، أهمها قضايا انتخابية، أحالتها الجهات المختصة الى النيابة العمومية وبعضها قضايا أخرى مختلفة.
السابقة تتمثل في أن أغلبية أعضاء لجنة النظام، ومعهم حتى نواب وقع سؤالهم عن الحادثة، تشبثوا بمنطق رفض رفع الحصانة عن «زملائهم» مهما كانت القضايا التي تهمهم، ومهما كانت الوقائع التي ارتكبوها، وأن لا مجال مستقبلا لرفع الحصانة عن أي نائب.
وللتذكير فان مسألة الحصانة، لم تكن يوما تشكل أي استثناء في أعمال المجالس النيابية السابقة، ورُفعت في عهدي بن علي وبورقيبة عشرات المرات عن نواب عديدين، مهما كان شأنهم وانتماؤهم، وعادت اليهم آليا بعد الأبحاث في التهم الموجهة اليهم.
كما جرت العادة ان تجتمع لجنة الحصانة عقب الجلسة العامة، تنظر بسرعة في طلبات الرفع وترفع آليا ودون أي اشكالات، لانها تعرف جيدا ان مهمتها تسهيل عمل النيابة والجهات القضائية، وبمجرد وصول طلب رفع الحصانة عن النائب فانه يعتبر مجرّدا الى حين استيفاء الابحاث في القضية المتعلقة به، ولم تكن لجنة الحصانة تفرّق بن التهم او تتثبت من الاتهامات الموجهة الى النائب المطلوب.

المقرر العام للجنة الحصانة في البرلمان الحالي، ولدى حضوره في برنامج تلفزي، بدا منفعلا أكثر مما تستوجبه الحالة، التي هي عادية جدا وتقع في كل برلمانات العالم ووقعت في تونس منذ المجلس القومي التأسيسي، وليست بدعة ولا هي سابقة، ان يقع رفع الحصانة عن نائب او مجموعة من النواب من أجل استنطاقهم في قضية معينة، وعودة حصانتهم اليهم آليا بعد استيفاء الابحاث.
هذا الانفعال، والذي هي جزء من الحالة العامة التي كان عليها باقي أعضاء اللجنة، مرده أن هناك شعورا لا ندري من أين أتى، بأن النواب مستهدفون، وان المجلس مستهدف، وان هناك مؤامرات تُحاك لإفراغ المجلس من نوابه، ولتشويه صورته من خلال ضرب نوابه قضائيا واختلاق قضايا ضدهم، من أطراف لا نعلمها، قال في مداخلته التلفزية أنه يعرفهم ويعرف ماذا يريدون من وراء ذلك.

السيد المقرر العام تناسى ان صورة مجلس النواب الحقيقية تُستمد من تطبيقه القوانين والتزامه بالأعراف والتقاليد التي دأبت عليها المؤسسة التشريعية العليا في البلاد، وان رفع الحصانة عن نائب لاستكمال اجراءات قضائية لا يمس من هيبة المجلس، ولا يخدش صورته، ولا هو تآمر عليه، بل اجراء عادي يجري في كل البلدان التي تحترم نفسها وتُعلي قوانينها، وتضرب المثل في النضج والتعاون والمحافظة على سمعة السلطات الاخرى.
كما أن وهم الصورة النمطية لمجلس قوي مستقل «سيّد قراره» لا يخضع لغيره من السلطات، هي فعلا مجرد تخيلات لا علاقة لها بالواقع، فلا أحد يشكك في سيادة المجلس ولا أحد يمكن ان يمسI من استقلاليته او من يطعن في صلاحياته، لكن تصرفات مثل هذه، ومعارك جانبية مثل التشبث بالحصانة على نواب لا مشكلة لديهم الا بعض أبحاث قضائية ستنتهي بسرعة ويعودون الى قبة البرلمان، هو الذي يخدش فعلا صورة المجلس ويمسّ من هيبته وكرامته.
بعض المتابعين يخشى من ان تكون دوافع رفض رفع الحصانة عن بعض النواب مستمدة فقط من وازع «قطاعي» أي بلغة أخرى «نحمي زملائي مهما كان» وهذا يشكل خطرا حقيقيا على أشغال ومهام المؤسسة التشريعية العليا في البلاد، والمنتخبة ديمقراطيا، لمدة معينة، ولأداء مهام معينة.
كما يخشى هؤلاء المتابعون ان تمتد هذه العقلية القطاعية الى مسارات أخرى ستضرب مصداقية المجلس في أساساتها كأن يقع وبناء على رفض رفع الحصانة عن نواب، رفض أيضا مسألة سحب الوكالة اذا ما حدث وتقدمت مجموعات من الناس بتشكيات من نواب لا يمثلونهم ويريدون استبدالهم، وهذه من أساسات النظام الانتخابي الذي قام عليه المجلس.
وكل هذا يدفع الى التفكير في ايجاد آليات أخرى تجنب المجلس تعقيدات من هذا القبيل وتحافظ على علوية القانون وتحمي صورة المؤسسة التشريعية وتبعد عنها كل التجاذبات وكل أنواع الانحياز والمزايدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

تظاهرات تحسيسية وتوعية بأهمية المحافظة على المحيط في عدة جهات : الوعي البيئي معضلة تونس القادمة

صحيح ان عديد الاطراف في تونس، وخاصة منها الجمعياتية والرسمية، تحاول قدر الامكان ان ترسّخ ث…