2024-03-06

تفاقم ظاهرة العنف المدرسي : مختصون يؤكّدون على أهمية التنشئة الأسرية والاجتماعيّة

يكفي ان نسوق مثال طفل الست سنوات الذي تعرض لإصابة خطيرة على مستوى العين من طرف زميله بالمدرسة خلال الأيام الفارطة  لندرك حجم الكارثة  التي بلغها مجتمعنا بسبب تفشي ظاهرة العنف بجميع أشكاله وألوانه وفي مختلف الفضاءات من البيت الى الشارع إلى المدرسة.

الإشكال المطروح اليوم ليس في تفاقم الظاهرة في حد ذاتها بل في الغياب التام للحلول التي من شأنها أن تحد من ازدياد هذه الفظاعات وخاصة في المحيط المدرسي الذي كان من المفترض أن يكون بالأساس فضاء خاليا من مثل هذه الاعتداءات ونقيا من كل هذه السلوكات العنيفة والسلبية فظاهرة العنف في الوسط المدرسي وبشهادة العديد من المختصين  أصبحت على غاية من الخطورة على مستوى المؤسسة التربوية وعلى مستوى المجتمع ككل ولعل الارقام الرسمية خير شاهد على ذلك حيث تسجل بلادنا سنويا بين 13 ألف و21 ألف حالة عنف في المؤسسات التربوية وخاصة منها المدارس الإعدادية والمعاهد وقد شهدت المؤسسات التربوية  23857 حالة عنف خلال الموسم الدراسي الماضي (2023-2022) في مؤشر على تنامي هذه الظاهرة في الوسط المدرسي مما يستدعي  مزيد العناية بالجانب البيداغوجي وتطوير المهارات الحياتية والعناية بالحياة المدرسية والأنشطة الرياضية والثقافية والانفتاح على المؤسسات الموجهة للشباب وأنشطتها.

ورغم وضع استراتيجية وطنية تضم عديد الوزارات قصد التصدي للعنف المدرسي والسلوكيات المحفوفة بالمخاطر الا ان الظاهرة مازالت تسجل انفلاتا وهوما يثير الكثير من التساؤلات حول الأسباب التي أدت بالتلاميذ إلى النزوع إلى   مثل هذه السلوكيات.

آلية للتعامل

تشير في تصريح خاص بـ«الصحافة اليوم» السيدة نجلاء عرفة المختصة في علم الاجتماع وباحثة في مركز الدراسات المتوسطية والدولية بان تفاقم  العنف المدرسي مسؤولية مجتمعية تتحملها جميع الأطراف مبينة بأن الظاهرة للأسف  أصبحت آلية للتعامل في مجتمعنا تنطلق من داخل الأسرة ذاتها التي باتت هي المسرح والفضاء الأول الذي يتعلم داخله الطفل العنف فيستبطن من خلاله السلوكات العنيفة التي يشاهدها أمامه في البيت بمختلف أشكالها لفظيا وجسديا وبالتالي فإن الإشكال الأول يكمن في نوعية التنشئة الأسرية والاجتماعيّة الأولى التي يتلقاها الطفل وعندما يخرج الى محيطه الخارجي أي الشارع أوالمدرسة يكون وقتها قد تشبع بهذه السلوكات واستبطنها داخله كآلية للتعامل وتضيف الباحثة بأن الطفل سيكتشف ايضا في الطريق أثناء قيادة والده للسيارة  مشهدا اخر للعنف للاب وهو يصرخ ويزمجر على من حوله من السيارات وأيضا أثناء مشاهدته التلفاز خاصة خلال شهر رمضان الذي تتعدد فيه البرامج والمسلسلات التي تتضمن السلوكات العنيفة  وبالتالي تتعدد أمام عينيه تلك المشاهد وتتكرر  فيتعلمها ويتأثر بها خاصة وان تركيبته الفيزيولوجية في هذه السن المبكرة  مازالت لا تفرق بين الحقيقة و التمثيل فتصبح هذه المشاهد مألوفة لديه وطبيعية.

وتقول ايضا نجلاء عرفة بأن المؤسسة التربوية وباعتبارها فضاء للتنشئة الاجتماعيّة الثانية أصبحت فقط تعتمد على التلقين والتعليم دون الاعتناء بالجوانب التطبيقية التي من شأنها ان تصقل شخصية الطفل وتؤسس لمواطن الغد الذي يستطيع التعايش السلمي  مع الاخرين في كنف الاحترام فهذه الأسس يجب أن توفرها المدرسة من خلال الأنشطة التثقيفية وفي مقدمتها المسرح ودروس المواد الفنية والإنسانية والتربية المدنية التي أصبحت مقتصرة على التلقين فقط والحفظ وهي منهجية تعليمية لا تؤسس للتنشئة السليمة.

وأكدت محدثتنا بان مؤشرات العنف في تزايد كبير لان أسس التنشئة الأسرية والاجتماعيّة في مجملها خاطئة ولا ترتقي لبناء طفل متوازن الشخصية مشيرة إلى أن الطفولة هي مشروع مجتمعي يجب أن تتجند له جميع الأطراف ويجب أن يكون التعامل مع هذا الطفل كمواطن فاعل مبينة ايضا بأن الطفل في الماضي كان محميا من قبل الجميع بينما أصبح اليوم كائنا ضعيفا وهشا داعية إلى ضرورة استعادة المنظومة التربوية مكانتها والتركيز على الجانب التطبيقي الذي يعلم الطفل السلوكات السليمة والمتوازنة والابتعاد عن التلقين وإرجاع  الأهمية إلى مشروع  التمدرس القديم  كمنهج يعلم الطفل كيف يكون مواطنا صالحا.

مسؤولية مجتمعية

وفي تحليل نفسي أكدت الدكتورة إيناس بن سليمة مختصة في علم النفس الأسري والطفل والمراهق والكهل في تصريح لها خاص لـ«الصحافة اليوم» بان العنف موجود فيزيولوجيا لدى كل الناس بالغريزة والفطرة لكنه يتفاقم لعدة عوامل وبأشكال متعددة   عند مختلف الفئات والشرائح العمرية مبينة بأن العنف عند الطفل يتفاقم عندمايفقد هذا الطفل الإحساس بالأمان وعندما يكون مرفوضا من الأسرة ومن المجتمع ومن الأطفال المحيطين به في المدرسة ومختلف الفضاءات كذلك تتزايد ردود الفعل العنيفة عند الطفل الذي يعاني من نقص عاطفي خاصة من جانب الأسرة التي تنشغل بنسق الحياة السريع عن تلبية احتياجات الطفل العاطفية فنجده كتوما منزويا لا يعبر عن مشاعره الحقيقية فيمضي جل وقته في استعمال التكنولوجيات الحديثة من هواتف وتلفاز ولا يمارس الأنشطة الطبيعية والألعاب الفكرية والحركية والتثقيفية التي يمارسها غيره من الأطفال فيتولد لديه نقص في التعايش مع الاخرين ويصبح منغلقا تماما على محيطه الخارجي وتضيف الدكتورة إيناس بأن هذه هي شخصية الطفل العنيف التي تتحمل فيها الأسرة جانبا كبيرا من المسؤولية بسبب انعدام العناية به واهماله عاطفيا والتركيز فقط على محاسبته ولومه وتوبيخه كلما دعا الامر لذلك مشيرة الى ان الأسرة أصبح همها الوحيد تحقيق نتائج دراسية ممتازة .

وتؤكد الدكتورة إيناس بأن الهرمونات التفاعلية الفيزيولوجية التي تنتج الفرحة والتعاطف والاحساس بالأمل وتقبل الذات والآخرين تنقص تدريجيا عند الطفل وعند الإنسان العنيف بشكل عام وتتقلص لديه تدريجيا نسبة الوعي بالسلوك السوي والمستقيم فيختل التركيز لديه ويفقد توازنه السلوكي الذي يترجمه في ردود فعل غير واعية وعنيفة وبدرجة قوية عن المعتاد فينتج بالتالي عن ذلك طفل غير متوازن مضطرب سلوكيا وغير متحكم في ذاته وتصرفاته وفي غرائزه.

وتؤكد الدكتورة إيناس بأن تفاقم ظاهرة العنف هي مسؤولية مشتركة يتحمل نتائجها جميع الأطراف الأسرة والمدرسة والمجتمع. فالأسرة من موقعها كان بإمكانها تجنيب الطفل الوصول إلى هذه الحالة في فترة ما قبل التمدرس لان مرحلة الطفولة المبكرة مهمة جدا لصقل  قدرات الطفل الذهنية والسلوكية وجعله جاهزا للخروج إلى المحيط الخارجي وقادرا على التواصل مع الاخر .وتضيف بأن تفاقم ظاهرة العنف المدرسي بشكل عام بغض النظر عن الفاعلين سواء كان ذلك هو التلميذ أو الولي أو المربي هو ردة فعل طبيعية على الضغوطات التي يواجهها القائم بفعل العنف فصورة التلميذ أصبحت مقتصرة فقط على الاعداد وعلى تحصيله العلمي وعلى النتائج والولي أصبح بدوره يواجه ضغطا بسبب المنظومة التعليمية وما تحتويه من اخلالات انعكست سلبيا على التحصيل العلمي للتلميذ وتضيف أن البيداغوجيا المعتمدة أصبحت هي أيضا عائقا وغير ملائمة لشخصية الطفل العصرية وغير متأقلمة مع المتغيرات فهي مبنية بالأساس على المهارات وعلى التميز والتفوق دون التركيز على الجوانب التثقيفية والترفيهية التي من شأنها أن تنمي مكتسبات الطفل وتصقل مواهبه وتعزز ثقته بنفسه وبالتالي بقدراته وإمكانياته الفكرية والعلمية .

وتضيف الدكتورة إيناس بأن تفاقم ظاهرة العنف المدرسي يتحملها جميع الأطراف بما في ذلك الإعلام والمختصون الذين يتعاملون مع الظاهرة بطريقة عشوائية دون الاعتماد على الأسس العلمية ولا توجد لديهم نظرية موحدة لمعالجة الظاهرة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

عودة الجالية بالخارج : امتيازات جبائيّة جديدة دخلت حيز النفاذ بداية من يوم أمس

استبشرت الجالية التونسية المقيمة بالخارج بالعديد من الامتيازات الجبائية التي ستتمتع بها وذ…