2024-03-04

تحجير إبرام عقود المناولة نهائيا بالقطاع العمومي : هل حانت لحظة المعالجة الفعلية للتشغيل الهش ..؟

لم تعرف التحركات الاحتجاجية المطالبة بالكرامة وبالحق في العمل اللاّئق الراحة أبدا..فقد ظل التنديد بالوضعيات الشغلية الهشة التي يعاني منها عمال الحضائر وعمال الآليات الجائرة التي ابتدعتها السلطة لتكميم الأفواه عنوانا بارزا لكل محطات النضال التي خاضها هؤلاء العمال على امتداد العقود الماضية.

فكلما اشتعلت نيران الغضب في صفوف المعطلين تسرع السلطات وتلقي بمسكناتها من الحلول الترقيعية التي تحولت في ما بعد إلى مناهج مستدامة تعتمدها كل الحكومات المتعاقبة لكف تلك النيران وبدأت تتجلّى أولى ملامح الهشاشة في العمل الاجتماعي  مع آلية العمل في الحضائر التي تم توظيفها في مشاريع البنية التحتية وفي الأعمال الفلاحية مقابل منحة نصف شهرية منها جزءٌ عينيّ في شكل مواد غذائية ومواد تنظيف مع الحرمان من التغطية الاجتماعية وتواصل العمل بهذه المقاربة التشغيلية في التسعينيّات. إذ قامت الدولة ببعث عديد الآليات المشابهة (الآلية 16 على سبيل المثال) لامتصاص موجات الغضب الاجتماعي والتخفيف من نسب البطالة.

لقد ظل ملف التشغيل الهش بما في ذلك عقود المناولة وعقود الآليات  يراوح مكانه منذ عقود ورغم كل المحاولات التي بذلها أصحاب المطالب المشروعة من  اجل الإدماج وتسوية وضعياتهم إلا أن الحلول ظلت ترقيعية ولا ترتقي إلى مستوى تطلعات هؤلاء المتعاقدين الذين يعانون من تدني الأجور ومن انعدام التغطية الاجتماعية والصحية اليوم وبعد التعليمات الأخيرة التي أذن بها  سيادة رئيس الجمهورية الأستاذ قيس سعيّد قصد تحجير ابرام عقود المناولة نهائيا بالقطاع العمومي والتي دخلت حيز النفاذ يوم الجمعة 23 فيفري 2024 نتساءل هل حانت فعلا لحظة المعالجة الفعلية لتخليص العمال من العبودية لشركات المناولة ولآليات التشغيل الهشة أم أنها ستكون مجرد حلول وقتية كغيرها من المحطات التي لم تنصف الشغالين أبدا؟

وتطبيقا لأحكام الفصل السّادس والأربعين من الدستور الذي ينصّ على أنّ «العمل حقّ لكلّ مواطن ومواطنة، وتتّخذ الدّولة التّدابير الضّروريّة لضمانه على أساس الكفاءة والإنصاف» وعلى أنّ «لكلّ مواطن ومواطنة الحقّ في العمل في ظروف لائقة وبأجر عادل»، وسعيا إلى توفير ظروف العمل اللاّئق للعمّال بالقطاع العام والخاص والقضاء على مختلف أشكال التّشغيل الهشّ مع ضمان استمرارية المؤسّسات وديمومتها، أسدى وزير الشّؤون الاجتماعيّة السّيد مالك الزاهي يوم الخميس 29 فيفري 2024 بمقر الهيئة العامة للشغل والعلاقات المهنية، لدى الإشراف على جلسة عمل خصصت للنظر في ملفي المناولة والتشغيل الهش وتعزيز للدور الهام لمتفقدي الشّغل في تكريس مبادئ العمل اللائق ومراقبة الحقوق الأساسيّة في العمل، تعليماته بضرورة إعداد جرد محين وعاجل لشركات المناولة وللعاملين بها وتكثيف الحملات على التّشغيل الهش وإعداد تصوّرات حول الآليات القانونيّة الكفيلة بالتصدّي لكل أشكال العمل الهشّ وتقديم رؤى قانونيّة تستوعب الأنماط الجديدة للعمل وإنفاذ القانون وتشديد الرّقابة حول ظروف الصحّة والسّلامة المهنيّة بمواقع العمل ومواصلة الحملة المتعلقة بتشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة بما يمكّن من تكريس العمل اللائق بالنسبة لهذه الفئة من العمال و النظر في الإشكاليات العالقة في مجلة الشغل خاصة في علاقة بالمناولة واستيعاب الانماط الجديدة للعمل.

كما تمّ النظر في الإشكاليات التطبيقية والقانونيّة المتعلّقة بتشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة وبمؤسّسات المناولة، وتمّ الاتّفاق على تذليل هذه الصعوبات سواء على مستوى الهياكل التابعة للوزارة أو بالتنسيق مع مختلف المتدخلين.

وتعود جذور هذه الهشاشة  وفق ما صرح به رمضان بن عمر، الناطق باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إلى برامج التنمية بعد الاستقلال. فهي التي كانت وراء ظهور هذه القطاعات غير المحظوظة، وقد كانت هي الطريقة التي استجابت بها الحكومات للضغط الاجتماعي ولتخفيف أعبائه في بعض المناطق. إذ يؤكّد أنّ ذلك يعود إلى السياسات التنموية التي أخذت منحًى نيوليبراليًا منذ السبعينيّات. والذي يكرّس التفاوت بين الجهات وبين القطاعات الإنتاجية بمبرّرات الاندماج والافضليات.كما انخرطت الدولة في تطبيق أشكال العمل الهش في الوظيفة العمومية في إطار ما يُعرف بالمرونة في الشغل. إذ تم انتداب الآلاف من أصحاب الشهائد في هذا الإطار تحت مسمَّيات عدّة، أهمّها النيابة والتعويض التي شهدت تركزا كبيرا في قطاع التربية وفي مطلع الألفية الثالثة تم إحداث الآلية 20 ضمن تدخلات الصندوق الوطني للتشغيل بهدف حثّ الجمعيات على الرفع من نسب التأطير بها من خلال التشجيع على تشغيل حاملي الشهائد العليا. إذ يوقّع طالب الشغل على عقد عمل مع الجمعية المعنيّة لمدة خمس سنوات، يتحمل فيها الصندوق نصف نسبة الأجور المسندة للمنتدبين في حدود 250 دينار على ثلاث سنوات.

في 2009 أصبح الصندوق يتكفل بدفع 250 د لمدة سنة قابلة للتجديد مرّتين مع عدم إلزام الجمعية بإسناد منحة تكميلية ويؤكد رمضان بن عمر، أنّ العدد الحقيقي لعمال التشغيل الهش يقارب  المليون ونصف. وهذا الرقم المخيف هو نتيجة سياسات الانفتاح والإصلاحات التي ميّزت الحقبة الموالية للتعاضد وجملة القوانين المصاحبة لها، وعلى رأسها قانون 1972.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

العنف المسلّط على المرأة في الفضاء المروري – مختصة في علم الاجتماع  تكشف: «العنف اللفظي معيش يومي للتونسي»…

«عندما نرى المرأة تقود السيارة فهذه الصورة لها رمزية كبيرة لأنها تختزل  صراعا ضمنيا على ال…