2024-02-28

الدكتور الصحراوي قمعون يروي «قصصا خبرية» في : يوميــــــــــــــــــــات  صحفـــــــي

ليس من اليسير تقديم كتاب الدكتور الصحراوي قمعون «يوميات صحفي» لثلاثة أسباب على الأقل أولها أن الأمر يتعلّق بصديق وزميل ورئيس في العمل، ثانيها، أننا قرأنا أغلب إصداراته الثمانية والتي تُرجم بعضها أيضا إلى اللغة الفرنسية وجميعها بعد سنة 2012 وتساءلنا عن الإضافة في الإنتاج الأخير وكيف نقرأ بموضوعية هذا الكتاب الذي لا نريده أن يكون الأخير، وثالثها وهو الأهم، هو أن المؤلّف وضع بين أيدينا كتابا ملغّما، كتابا لغزا يصعب تصنيفه وتنزيله ضمن نوع محدّد من الكتابة.. فهو كتاب خضع للشروط الأكاديمية الصرفة ولو قُدم في إطار جامعي لتمّ تصنيفه بحثا علميا مرجعيا. ليس ذلك فحسب، يمكن اعتباره سيرة ذاتية تضاهي في جودتها ودسامة مادتها أهم السير الذاتية لكبار الكتاب.

الكتاب أيضا مرجع تاريخي كأنّه كتاب تاريخ فيه مفاتيح كثيرة لفهم صفحات عدّة من تاريخ تونس الحديث، فالكاتب يروي لنا وقائع كان شاهدا على أدقّ تفاصيلها خصوصا على امتداد خمسة عقود على الأقل.

وطبيعي جدّا أن تكون بصمة الصحافي، والآن بصمة أستاذ الصحافة بارزة في الكتاب الذي تحوّل في بعض مفاصله إلى دليل تدريبي للصحافيين. وعلاوة على كل ما تقدم، فإن أركان الرواية وخصائصها حاضرة وموجودة في هذا الكتاب الذي يحتوي كما كتب المؤلف على الغلاف قصصا خبرية تنتمي الى أحد الأجناس الصحفية الانجلوساكسونية المعروفة باسم “فيتشر”.

أما عن الكتاب وشكله ومضمونه، فهو من الحجم المتوسط يقع في 422 صفحة من الورق الرفيع نسبيا، طُبع بالمطبعة “المغاربية للطباعة وإشهار الكتب” التي نتوجّه لها بالتحية أيضا.

تم توشيح الغلاف بمجموعة من الصور تتضمن مشهدا لقصف بغداد وصورا لضحايا الإرهاب : المناضل شكري بلعيد، الصحفي الطاهر جاووت، الرئيس محمد بوضياف والنقابي عبد الحق بن حمودة.

وحتى في ظهر الكتاب لم يترك المؤلف المجال للفراغ او للصدفة فقد اختار الى جانب فقرات من المتن صورا لزربية من الجليز في منزل العائلة الذي تم تقاسمه كإرث بين أفراد العائلة..

يتضمن الكتاب أربعة فصول إلى جانب تقديم بقلم الدكتور محمد حمدان وافتتاحية المؤلف.

في الفصل الأول الذي يحمل عنوان مع دولة الاستقلال نشر التعليم واشتغال المصعد الاجتماعي وهو الفصل الأهم من حيث الحجم في الكتاب والاهم أيضا لأنه يطلعنا على يوميات النشأة والدراسة في القرية والعاصمة وهي لحظات نحتت شخصية المؤلف وأثرت معرفته وتجربته وجعلته شاهدا على العصر.

في هذا الفصل عرفنا الصحراوي طفلا، تلميذا في المدرسة الفرنسية العربية الوحيدة في البلدة، عرفنا أيضا أكودة هذه البلدة التي لها مكانة خاصة لدى المؤلف وسبق ان خصص لها جزءا لا يستهان به من إصداراته، كما تعرفنا على العائلة الصغيرة والموسعة وعلى تفاصيل الحياة اليومية داخل هذه العائلة ووقفنا على مدى احترام القيم المجتمعية السائدة ومن بينها التضامن والتآزر واحترام الصغير للكبير وعندما يتحدث الصحراوي عن شقيقه الأكبر يقول عنه في الصفحة 58 “سيدي” دون خجل..

لم يقتصر الحديث عن النشأة على العائلة والقرية والعاصمة بل تم تخصيص جانب كبير لما عرفته دولة الاستقلال من صراعات سياسية تأرجح فيها التونسيون بين الفرحة وخيبة الأمل من عشرية الستينات بخيباتها وتناقضاتها الى العشريات الموالية التي حافظت على نفس هذه الثنائية للأسف.

في الستينات تجرع الطفل شعور المرارة والقهر جراء ما تعرضت له العائلة تحت يافطة التأميم وافتكاك الأملاك لكن بعد سقوط التعاضد استبشرت العائلة باستعادة أملاكها وقد انتهت هذه العشرية بتراجع هامش الحرية السياسية والإعلامية واختفاء عديد الصحف..

في السبعينات دشنت تونس زمن الهادي نويرة الإصلاح الاقتصادي وعرفت الهزات الاجتماعية أيضا التي تزامنت مع تقدم بورقيبة في السن.. وقدم لنا الكاتب تفاصيل كثيرة حول أحداث 26 جانفي 1978 حينها اكتشف الطالب الحياة الجامعية.

يعترف الصحراوي أنه كان قاعديا لكنه كان يميل في حلقات النقاش للطلبة اليساريين والدستوريين لا الإسلاميين وذكّرنا بأسلوب السلطة الذي كان يشجع الإسلاميين للتصدي لليسار ويضيف انه اختار الوقوف على نفس المسافة تأكيدا لما تعلمه في المعهد من ان الصحافي مستقل في التفكير وعليه المطالعة والمثابرة في الدراسة والإكثار من التربصات.

في الثمانينات لم تتغير المعادلات، يحدثنا الكاتب عن نهاية بورقيبة الذي أنهكه المرض والتي لم تختلف كثيرا عن نهاية بن علي زائد الدور السلبي لزوجته وقد “كان تصميم البقاء في الحكم في 2009 انتحاريا” حسب المؤلف.

وهنا يتحدث الصحراوي عن تصميم دول الغرب على إزاحة بن علي والتخطيط للربيع العربي، ويستدل بذلك بعدم تهنئة أمريكا لبن علي بعد فوزه في انتخابات 2009 وفي المقابل جاء كاتب الدولة المكلف بنشر الديمقراطية فلتمان الى تونس مباشرة بعد 2011 وجاءت بعده هيلاري كلنتون وظهرت في قناة نسمة..

في التسعينات تتالت أيضا الخيبات رغم النمو الاقتصادي وقد كانت لأحداث الجزائر تداعيات كبيرة على تونس..

وحصل الأمر نفسه في عشرية 2011 وتحول النجاح الى خيبة ويعزو المؤلف النجاح النسبي للمسار الديمقراطي في كل مرحلة الى الإرث الإصلاحي الذي ميز تونس ربما عن بقية الشعوب في المنطقة.

في الفصلين الثاني والثالث يجول بنا الراوي والمؤرخ والصحافي بين الجبهات.

في الجبهة العراقية يحدثنا المؤلف عن التضليل الإعلامي واحتكار الغرب وأحاديته ويستحضر الحرب في أوكرانيا اليوم والرقابة العسكرية الأطلسية على الإعلام .

في الجزائر وثّق الكتاب فصولا جدّ هامة لمرحلة تاريخية تضاهي في أهميتها ربما مرحلة الاستعمار الفرنسي فخطر الإرهاب كان جاثما على الشعب الجزائري الذي عاش سنوات جمر مليئة باغتيالات الصحفيين والمثقفين وضمت قوافل شهداء القلم والحرية 123 شخصا (صفحة 325) من بينهم أصدقاء كثّر للمؤلف.

في الفصل الرابع والأخير نكتشف الصحافي المسؤول.. من وكالة تونس افريقيا للأنباء الى القصر الرئاسي، دائرة الإعلام والاتصال، ثم الى دار سنيب لابريس الصحافة، وبعدها الإدارة العامة للإعلام ثم مركز التوثيق الوطني للعودة بعد ذلك إلى الوكالة والإحالة منها على شرف المهنة “التقاعد”، لكن الصحراوي قمعون بقي صحافيا فهو يكتب اليوم بانتظام في جريدة الصباح ويدرّس أيضا بالجامعة التونسية.

إن ما بقي في حق الكتاب ومؤلفه يمكن حوصلته في جملة من الاستنتاجات.

أوّلا يحسب للمؤلف اعترافه وعدم تنكّره لمن تتلمذ على أياديهم وعمل معهم بمن فيهم كامل فريق جريدة الصحافة تقريبا، والطريف أن الصحراوي قمعون المخضرم والذي تعددت محطات عمله قبل وبعد 2011 يقول بتحدّ واعتزاز أيضا أنه “من بين المسؤولين الذين لم تلحقهم لعنة ديقاج”..

ثانيا الخصال العلمية والأكاديمية للمؤلف فهو كان دقيقا في سرد الأحداث والوقائع ولا يتردد عند التأريخ لمحطات لم يعشها مباشرة أن يذكر عبارة “حسب المصادر التاريخية المتطابقة”.

ثالثا، هناك فكرة رئيسية انبنى عليها الكتاب وهي من خصائص الرواية، الاعتماد على الثنائيات : باتريس لوممبا والطاهر بن عمار، شكري بلعيد والطاهر جاووت، بورقيبة وبن علي، تونس والجزائر، فلسطين أوكرانيا ولعل أهم ثنائية هي ثنائية الأمل والخيبة في توصيف وتلخيص المسار الديمقراطي في تونس وفي الجبهات التي زارها..

رابعا، الأسلوب والسلاسة في الكتابة بفضل الاشتغال بالصحافة الى جانب تملك البحث العلمي والشروط الأكاديمية وللأسف تحرم وكالة الأنباء القراء من التعرف على هوية صاحب الخبر وقد وجدنا في “اليوميات” تملكا لفن الخبر والأجناس الصحفية وأهمها على الإطلاق الريبورتاج والبورتريه / الملمح .

إنّه اثر على غاية من الأهمية لمؤلف كان في نفس الوقت روائيا وباحثا ومؤرخا وموثقا وصحافيا مرموقا ورجل دولة، أجل رجل دولة بامتياز وعندما نقف عند التفاصيل الكثيرة التي وردت في الكتاب نكتشف مدى احترام المؤلف لنفسه ولوطنه ولمهنته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مع انطلاقة السباق الرئاسي : مؤسّسات سبر الآراء وطاحونة الشيء المعتاد..!

اتضحت الرؤية نسبيا في المشهد التونسي بإعلان أكثر من طرف عن وجود استحقاق انتخابي رئاسي خريف…