مرّت ذكرى الشهيد شكري بلعيد وعاد السؤال الملحّ عن قتلته لاسيما واننا جميعا نعرف القاتل المباشر الذي اطلق الرصاص وهو كمال القضقاضي لكن من موّل وحرّض وخطط مايزال مجهولا حتى اللحظة وتلك سمة الجريمة السياسية عموما فلا أحد يعرف حتى اليوم من يقف وراء اغتيال جون كنيدي أو رفيق الحريري مثلا. وهي من القضايا الشائكة التي يطول شرحها وتفكيك مفاصلها.
ولكن ما يعنينا هنا هو ذكرى الاغتيال التي تعود بذات الأسئلة وذات المقولات ويحيي الرفاق دوما يوم 6 فيفري ما بين إعادة التأبين عبر تعديد المناقب للشهيد شكرى بلعيد وما بين توجيه التهم الى الخصوم السياسيين الذين يتحملون المسؤولية السياسية أو بالعودة الى ملفات القضية التي من الواضح انها لم تبح حتى اليوم بكل أسرارها.
لكن الأسئلة المركزية التي من شأنها أن تكون منطلقا لنقاش عام أو حاسمة في بعض الإشكاليات السياسية لا تطرح أبدا، يمر بها الرفاق مرورا خجولا ولا يتوقفون عندها هربا من مواجهة الذات في المرآة وخوفا من تحمل المسؤولية التاريخية.

ومن أهم هذه الأسئلة الكبيرة:

لماذا حدث عقم في التيار اليساري التونسي وتحديدا حزب الوطنيين الديمقراطيين ولم ينجح في انجاب زعيم بنفس توهج الشهيد شكري بلعيد حتى اليوم رغم مرور ما يربو عن العقد على اغتياله؟
ولماذا خرج الرفاق تقريبا من «الحسبة» السياسية كأحزاب متشظية أو كقيادات زعاماتية؟
وهل أصبح اليسار مجرد طيف «خافت الألوان» في المعادلة السياسية التونسية؟
وإذا مضينا أبعد نقول : هل ثمة شخصية يسارية بارزة اليوم تطرح نفسها للترشح الجدي والجاد للانتخابات الرئاسية القادمة؟
ولماذا ظلت برامج اليسار سواء في المجال الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي «سلفية» الى حد كبير لم تخرج من منطق وثقافة «احداث ماي 1968»؟
هي أسئلة كثيرة لا احد من المعنيين بالأمر يطرحها على نفسه وعلى التيار السياسي الذي ينتمي اليه ولا احد حقا يفكر في إجابات صادقة عليها ويواجه نفسه بها مهما كانت صادمة أو مفزعة.
فاليسار التونسي بكل تشكيلاته مايزال يراوح مكانه بل لن نجانب الصواب اذا قلنا انه فقد أي وزن له في الشارع التونسي واصبح وجوده مجرد «فلكلور مناسباتي» يجتمع فيه البعض لقول كلمات معلومة ثم يمضي الى حال سبيله على غرار ما يحدث في ذكرى استشهاد شكري بلعيد.

ورغم المرتكزات الفكرية العميقة لليسار ورغم تاريخه النضالي المشرّف إلا انه بقدر ما نجح في اختبارات زمن الحكم التسلطي سواء مع الزعيم بورقيبة أو مع الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي فمن الواضح انه فشل فشلا ذريعا في اختبار مرحلة الديمقراطية ما بعد 14 جانفي 2011.
وهنا يمكننا الجزم دون أن نجانب عين الحقيقة بأن التجربة الديمقراطية الناشئة في تونس قد عرّت كل تناقضات اليسار التونسي وأولها غياب العقلانية والفهم العميق لخصوصيات المجتمع التونسي ثم داء تضخم الأنا وفكرة الزعاماتية التي قضت على هذا الطيف السياسي المهم.

ولعل الأخطر من كل هذا هو عدم القيام بالمراجعات اللازمة بعد كل محطة سياسية فشل فيها اليسار في أن يكون مكونا فاعلا في تغيير المعادلات السياسية.
ولعل أغلب التونسيين وتحديدا النخب راهنت في فترة مخصوصة تلت أحداث 14 جانفي على «الرفاق» ليكونوا هم الخيار الثالث الذي يمكن ان يشبع انتظارات التونسيين الى العدالة الاجتماعية والحريات في معناها الشامل والخروج من مأزق الاستقطاب الثنائي ما بين «الدساترة» والإسلاميين والذي عرف أبعادا أخرى في العشرية الأخيرة.
ومضى بعض الحالمين الى التأكيد على أن اليسار سيكتسح خاصة بعد الجنازة التاريخية التي أقيمت بشكل عفوي من قبل عموم التونسيين للشهيد شكري بلعيد وبعد الزخم الكبير الذي تلا ذلك الحدث الصدمة.
لكن الرفاق لم يلتقطوا الرسالة التي وجهها اليهم الشعب التونسي ولم يستفيدوا من زخم اللحظة بل ما حدث هو العكس حتى ان الجبهة الشعبية التي ضمت مكونات الطيف اليساري كان للشهيد الراحل الفضل الأكبر في تأسيسها تشظت وأصبحت أثرا بعد عين. اختفى اغلب قياداتها من المشهد بشكل يدعو الى الحيرة والاستغراب.

ولأن اليسار فكرة نبيلة فقد تظل خالدة في أذهان الكثير من الحالمين لكن واقعيا في تونس يمكن القول ان هذا الطيف السياسي يحتاج الى إعادة بناء على أسس جديدة وبوجوه شابة مختلفة فكرا وممارسة عن الأسلاف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

عن واقعة  الابتزاز الجنسي للأطفال عبر الأنترنات : الجريمة السيبرانية خطر داهم… أيضا

هل تفاجأنا حقا بتفاصيل الواقعة الاجرامية الأخيرة في حق بعض الأطفال ؟ هل مثّلنا أننا مصدومو…