2024-02-06

في الشأن التربوي : لنتعامل مع المرحلة الإعدادية على أنها ركيزة أساسية في تكوين الناشئة

يشتغل النشاط التعليمي في كل منظومة تربوية مثل منظومتنا التربوية وفق مراحل متكاملة تضطلع كل مرحلة برسالتها التعليمية ومهمتها التربوية وتلتزم بأهدافها وتعمل عن تحقيقها كما حددها لها القانون التربوي.
وتكون المدرسة الفضاء المسؤول على تنفيذ تلك المهمة أو الوظيفة وتجسيم الأهداف التربوية والتعليمية المتفق عليها بتأمينها لتعليم جيد للناشئة يحقق المردود العالي المرتقب. وإذا كانت المدرسة تعمل بمراحلها -الابتدائي والإعدادي والثانوي – على تحقيق ذلك فإن التحدي الأكبر للمدرسة هو مدى نجاحها في تمكين الناشئة من الآليات الأساسية التي تساعدهم على النجاح في التعليم الأساسي عموما وفي الإعدادي بالخصوص.

أهمية مرحلة الإعدادي

تعتبر المرحلة الإعدادية ، المرحلة الوسطى في التعليم لأنها تقع بين التعليم الابتدائي والتعليم الثانوي، المرحلة الحساسة في مسار الناشئة التعليمي بأكمله . فبحكم أنها المرحلة الثانية من التعليم الأساسي فهي تؤمن تعليما مشتركا للناشئة يضمن لهم المكتسبات الأساسية، ويمكنهم من كفايات ومهارات وتكوين في اللغات يسمح للناجحين منهم بمواصلة الدراسة المعمقة والمتخصصة في الثانوي. ويؤم المدرسة في هذه الرحلة تلاميذ وشبان يمرون بمرحلة مهمة في حياتهم هي مرحلة المراهقة ( ما بين 12 و 15 سنة ) التي يعيش فيها المراهق التغيرات الفيزيولوجية التي تحدث له وتكون مؤثرة على تصرفاته وانفعالاته ومواقفه وعلى نفسيته ويمر بتوترات في علاقته بالكهول سعيا إلى إثبات ذاته . وجاء في إحدى الدراسات الفرنسية أن حوالي نصف المراهقين غير راضين عن مظهرهم الخارجي الجديد كما يكون التلميذ في هذه المرحلة العمرية أكثر حساسية من غيره تجاه ما يحدث حوله وهش قابل للتأثر بما يأتيه من محيطه وأحيانا هناك من يكون ثائرا وهناك من يكون خاملا .. لذلك تعتبر المرحلة الإعدادية مرحلة مهمة جدا بالنسبة لمسارهم الدراسي ولا يمكن أن ينجح التعليم في هذه المرحلة دون مراعاة خصوصيات المراهق ودون معالجة ما يحدث في هذه المرحلة من إشكالات قد تسبب ضياع مستقبل بعضهم .
ففي هذه المرحلة ومنذ بدايتها يحتاج المراهق القادم من التعليم الابتدائي إلى التأقلم مع المرحلة الجديدة فقد كان يتعامل مع مدرسين اثنين وإذا به ينتقل فجأة إلى مدرس في كل مادة وكان يدرس حصصا قصيرة فتتحول إلى حصص تدوم على الأقل ساعة وأحيانا ساعتين متتاليتين وكان في الابتدائي يتعامل مع إداري واحد هو المدير فإذا به في الإعدادي يتعامل مع قيمين وقيم عام و.. كل هذه التغيرات تمثل ضغطا على التلميذ على الأقل في الثلاثي الأول حتى يتأقلم مع هذا الوضع الجديد. وتسجل هذه المرحلة نسبة انقطاع تقدر بـ 6.2 % ونسبة رسوب بـ 13.4 % حسب إحصائيات 2019 – 2020 بينما كان المراهق يدرس في الابتدائي الذي تقدر فيه نسبة الانقطاع بـ 0.6 % و نسبة الرسوب بـ 7.2 % .
ومن الإشكالات ارتفاع حالات العنف وخاصة اللفظي مما يؤثر سلبا على بيئة التعلم وعلى مستوى الرفاه المدرسي وبالتالي على النتائج المدرسية فيصبح الفضاء المدرسي فضاء منفرا للتلاميذ . كما أن التلميذ في هذه المرحلة العمرية يكون عرضة لمخاطر الشارع خاصة عندما يوضع خارج المدرسة بمناسبة الساعات الجوفاء أو عند غياب المدرسين . وغيرها من الإشكالات التي من الضروري إيجاد الحلول لها لإنقاذ التلميذ في هذه المرحلة من العمر الدراسي .

أي استراتيجيا ؟

لمزيد الاهتمام بهذه المرحلة الهامة في المسار التعليمي للناشئة علينا وضع استراتيجيا تقوم على دراسة العوامل التي تجعل التلميذ ينجح وتلك التي تجعله يفشل في الإعدادي وربطها بجودة التعليم وبمحيط المدرسة والعائلة. وعلينا توفير فضاء مدرسي يطيب فيه العيش للمراهق ويراعي ظروفه وحاجياته ويصغي إلى مشاكله وصعوباته بالتعاون مع العائلة، وفي اتصال دوري بها، لأن تعاون المدرسة مع العائلة مهم جدا في هذه المرحلة من العمر ويساعد على تحقيق التوازن لدى المراهق ويحميه من الانزلاقات والمؤثرات الخارجية. كما علينا إرساء الثقة بين المتدخلين والفاعلين في المدرسة وتطوير الجانب العلائقي فيها بين التلاميذ فيما بينهم بتكثيف الأنشطة الثقافية والرياضية والفنية .. وبين التلاميذ ومدرسيهم وبين المدرسين فيما بينهم ومع الإدارة .. مما يحقق الرفاه المدرسي .
واستنادا إلى ما جاء في هرم « أبراهام ماسلو» في كتاب « تحقيق الذات « ( 2005) فإننا لا يمكن أن نحقق الرفاه في الحياة عموما إلا بتحقيق الحاجيات الأساسية للفرد وهي الحاجة الفيزيولوجية أو ضروريات الحياة، والحاجة للحماية والأمان، والحاجة للانتماء للمجموعة، والحاجة لتقدير الآخر وتقدير الذات، والحاجة لتحقيق الذات. وعندما نسقط هذا المفهوم على المدرسة فإن الرفاه المدرسي لا يمكن أن يتحقق إلا باستجابة المدرسة للحاجيات الأساسية للتلميذ ومساعدته على تحقيق ذاته ومن خلالها تحقيق مشروعه الشخصي الدراسي والمستقبلي. ويلعب المبنى المدرسي دوره في تحقيق الرفاه فهندسة مبنى المدارس الإعدادية يجب أن يكون قائما على معايير محددة توفر الرفاه والراحة النفسية لرواد المدرسة. ومن بين المعايير التي أفرزتها الدراسات الحرص على نظافة المدرسة والوحدات الصحية وفتح الفصول على الساحة بشبابيك بلورية متسعة توفر رؤية واسعة ومراعاة مساحات الأقسام والتجهيزات التي تحويها مثل الطاولات والكراسي مع مراعاة الأشكال الهندسية والألوان التي تتلاءم مع البيئة التي تتواجد فيها المدرسة مما يحبب التلميذ في المدرسة من حيث شكلها أولا.

ومما يحقق الرفاه مسألة التصدي للعنف في الوسط المدرسي لذلك فمن المهم دراسة مظاهر العنف المختلفة في الإعدادي وتحديد مأتاها ومعرفة أسبابها والأماكن التي تقع فيها داخل المدرسة أو في محيطها وإيجاد حلول لها وفي نفس الإطار مراجعة قانون العقوبات المدرسية للتلاميذ الذين يخطئون في المدرسة والعمل بمبدإ العقد المشترك الذي يعده التلاميذ مع الإدارة والمدرسين في كل مدرسة على حدة .
وأخيرا تبقى العلاقة المتميزة بين التلاميذ والمدرسين هي أم الحلول والمدرس هو الوحيد القادرة على تغيير نظرة التلميذ إلى المدرسة ويذكي فيه حبها . فكلما كان الاحترام المتبادل قائما بين المدرسين والتلاميذ وكلما كانت بينهم ثقة متبادلة زادت دافعيتهم للتعلم وتطور حبهم للمدرسة مما يؤدي إلى نجاح وظيفة التعليم والتعلّم. وإن كانت هذه العلاقة مهمة في كل المراحل التعليمية إلا أنها تكون أكثر تأثيرا في العملية التعليمية التعلّمية في المرحلة الإعدادية وفي التعليم الابتدائي بحكم خصوصية المتعلم في المرحلتين . وهنا نستند إلى دراسة للباحث الفرنسي «برنار شارلو» صدرت سنة 2006 أجاب فيها عن السؤال التالي الذي طرحه على مجموعة من التلاميذ : من هو المدرس الجيد بالنسبة للتلاميذ ؟ ولخص الباحث أجوبة التلاميذ الذين طرح عليهم السؤال في ما يلي : « هو المتفاني في العمل والذي يشرح جيدا ويعيد الشرح إن لزم الأمر بتؤدة وهو الذي يحفّزك للعمل ويحاور التلاميذ ويصغي إليهم في علاقة رصينة بينهم …..ومعه يشعر التلميذ أنه معترف به ومحترم باعتباره إنسانا وليس فقط تلميذا، وهو الذي يتحاور مع التلميذ ليس حوار شاب إلى كهل فحسب وإنما حوار إنسان إلى إنسان» ومن هنا وجب تغيير المحتويات التعليمية في الإعدادي حتى تساعد المدرس ليكون مدرسا جيدا بالمفهوم الذي طرحه التلاميذ . والمطلوب خاصة أن تلبي المحتويات التعليمية حاجيات المتعلمين وتمكنهم من المهارات والمعارف حتى تحفزهم نحو التعلّم .
(❊)باحث وخبير في الشأن التربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

في الشأن التربوي التوجيه الجامعي : مفتاح الأمل لمستقبل الناشئة، لم يعد يستجيب لتطلعاتهم ويحتاج إلى تقييم وتطوير

أغلق التلاميذ الذين اجتازوا امتحان الباكالوريا وعائلاتهم ملف الامتحان وصعوباته في انتظار ن…