2024-02-06

في الذكرى 11 لاغتيال الشهيد شكري بلعيد : الحقيقة أكبر من إدانة قضائية للقتلة..!

تمرّ اليوم الذكرى 11 لاغتيال الشهيد شكري بلعيد الأمين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد والقيادي المؤسّس في الجبهة الشعبية صباح الأربعاء 6 فيفري 2013 أمام منزله بالعاصمة.
وتتزامن الذكرى مع موعد بدء المرافعة في قضية الاغتيال بالمحكمة الابتدائية بتونس بعد مسار إجرائي وأمني وقضائي طويل ومعقّد أبلت فيه «هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي» البلاء الحسن، وتمكّنت بفضل دعم طيف واسع من المجتمع المدني والسياسي من الصمود في وجه منظومات الحكم المتعاقبة التي حاولت عبثا طمس الحقيقة وتحويل الجريمة إلى مجرد قضية حق عام والحال أننا إزاء جريمة سياسية ترتقي إلى جريمة دولة بحكم التداخل الحاصل بين «الأدوات الآدمية» التي نفّذتها والجهات التي دبّرت وخططت وموّلت وموّهت وتستّرت دون أن ننسى الضّرر الذي لحق بالتجربة الديمقراطية في بلادنا.

ومن هذا المنطلق، فان إحياء الذكرى الأليمة والارتياح لبلوغ مرحلة المرافعة في القضية، وهو ما يعني التقدم في كشف حقيقة جريمة الاغتيال وتحقيق العدالة، لا يمكن أن ينسينا أن الحقيقة أكبر من أن تكون فقط إدانة قضائية مباشرة للقتلة سواء منهم الموجودين في قفص الاتهام أو خارجه، وأن الصفحة ستُطوى بعد ذلك فشكري بلعيد وبعده الحاج محمد البراهمي لم يسقطا من أجل ذلك أي من أجل إدانة المجرمين فقط وإنما من أجل مشروع وطني لتونس الجديدة.

رمزية كبيرة

ونستحضر هنا بعضا من آخر ما قاله شكري بلعيد «أنا ما نرتاح إلاّ ما المسار الثوري يحقّق أهداف هذا الشعب.. تونس أخرى ممكنة.. تونس إيجابية، تونس متضامنة، تونس متسامحة، تونس نيّرة متحرّرة تقدّمية ومتجذّرة في محيطها..».
لم يكن الاختيار على شكري بلعيد اعتباطيا أو عفويا، تماما مثله مثل رفيقه البراهمي الذي وقع استهدافه يوم عيد الجمهورية بالذات، والشخصيتان كما هو معلوم لم يدخلا عالم السياسة والعمل العام والمشهد الوطني بعد ملحمة 14 جانفي 2011 غير المكتملة ولكنهما تركا أثرا كبيرا قبل هذا التاريخ وبعده، فالبراهمي أحد أبرز مؤسسي تجربة التنظم في العائلة القومية الناصرية على وجه الخصوص فيما يظل شكري رمزا لتوحيد العائلة الوطنية الديمقراطية ثم العائلة اليسارية الماركسية وبعد ذلك العائلة التقدمية برمتها بمختلف تياراتها ومشاربها الفكرية وتمت ترجمة ذلك في تأسيس الجبهة الشعبية التي اتخذت من تحقيق أهداف الثورة شعارا لها.

لقد بدأ شكري كما أسلفنا بتوحيد المجموعات الوطنية الديمقراطية، وبعد قراءة جادة وجدية لانتخابات المجلس الوطني التاسيسي في 23 اكتوبر 2011 اتفق مع رفاقه في المجموعات اليسارية الأخرى على ان الإجابة المناسبة لـ«لطخة» هذا الاستحقاق الانتخابي لا يمكن ان تكون الا من خلال الانطلاق في تحقيق حلم الحزب اليساري الكبير الذي ينصف أجيال اليساريين في بلادنا ويحقق تطلعات الشعب في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
وهنا برز شكري ورفاقه في الحزب والجبهة في الخط الأمامي للدفاع عن مدنية الدولة وعن الجمهورية الديمقراطية الاجتماعية التي باتت مستهدفة جراء تغول الإسلام السياسي وهيمنة قيادة تنظيم النهضة على الحكم في بلادنا.
في هذه المرحلة دخلت تونس منعرجا خطيرا وانطلق تقسيم التونسيين على أساس الدين بين مؤمنين وكفار وأصبحت أولويات الثورة إرساء الخلافة السادسة واعتماد الشورى والأخطر من كل ذلك «أسلمة» المجتمع بالقوة على الطريقة الوهابية والتغرير بالشباب لتسفيره إلى ما عرف ببؤر التوتر وأصبح العنف في غضون ذلك رائجا في المجتمع وتواترت عمليات استهداف المؤسسة الأمنية والعسكرية وارتفع نسق الشحن والتحريض وأصبحت بيوت الله كما يقال فضاءات للتعبئة والتوجيه ضد الرموز السياسية الوطنية والتقدمية..

الثورة المغدورة

في هذه البيئة نضجت كل الظروف لارتكاب الجريمة وتحقيق أكثر من هدف، أولها التخلص من ثائر شرس ديمقراطي حالم، لا شيء يصدّه عن مواصلة النضال من أجل مشروعه سوى التصفية وثاني الأهداف القضاء على تجربة الجبهة الشعبية في مهدها لان الأيام الأولى لهذا التحالف اليساري التقدمي بين ان التقاء رموز الوطد وحزب العمال والبعثيين والناصرين والمستقلين وحتى المواطنين العاديين في الميادين ينذر بقلب موازين القوى بطرق مدنية لإزاحة المشروع اليميني الظلامي. أما ثالث هذه الأهداف فهو البرهنة على قدرة «الجماعة» على تصفية خصومها وعلى فرض الأمر الواقع سواء بشكل مباشر او بالاعتماد على الطابور الخامس الذي تشكل من أصحاب السوابق الإجرامية والإرهابية وحتى السياسية دون ان ننسى أخيرا تقاطع الأهداف بين من يمسك بالتجربة التونسية والجماعات الإسلامية المنتشية في دول «شقيقة» ودخول قوى أجنبية أخرى على الخط من اجل التحكم في مستقبل البلاد وخدمة الاجندات الخاصة بالتعويل على ما صار يعرف بالإسلام السياسي..
وللأسف ورغم الزخم الذي أعطاه اغتيال شكري والبراهمي للجبهة فان هذا المشروع السياسي انهار بعد سنوات قليلة بحكم عوامل ذاتية وموضوعية كثيرة لا تغفر للرفاق والإخوة انهم فشلوا في الحفاظ على عهدة الدم وعلى الحلم.
وحتى من مرّ بالحكم وغازل بلعيد والبراهمي وعائلتيهما الطبيعية والسياسية وجد من مصلحته ما حل بالجبهة واستعار من خطابها كل المبادئ والقيم الجميلة لكن السؤال الذي يطرح نفسه ما الذي تحقق من كل هذا حتى يرتاح شكري ويرتاح الشهداء ؟.

إن راحة شكري وراحة الشهداء والأحياء ممكنة وصعبة في نفس الوقت، تبدأ بكشف الحقيقة في جانبها القضائي وتحميل المسؤوليات الجزائية بعد أن تم الحسم في المسؤولية السياسية والأخلاقية التي تعود للنهضة وحلفائها على أن يتم استكمال الثورة التونسية وتحقيق أهدافها حتى لا نظل نكرّر في كل عام ونحن نحيي ذكرى الزعيمين بلعيد والبراهمي ما قاله نزار قباني في رثاء جمال عبد الناصر :
قتلناكَ .. يا آخر الأنبياءْ
قتلناكَ ..
ليس جديدا علينا
اغتيال الصحابة والأولياء
فكم من رسول قتلنا ..
وكم من إمام ذبحناه وهو يصلي صلاة العشاء ..
فتاريخنا كله محنة ..
وأيامنا كلها كربلاء ..
نزلت علينا كتابا جميلا
ولكننا لا نجيد القراءةْ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لفائدة «جيب» المواطن.. واقتصاد البلاد السياحة الداخلية بحاجة للإنقاذ..!

شكّلت السياحة في بلادنا عبر التاريخ العمود الفقري للاقتصاد التونسي، وهذا خيار ليس للنقاش ا…