2024-02-04

اليوم تتّضح صورة «الغرفة الثانية» بإجراء الدور الثاني للانتخابات المحلية : وهذا فصل آخر من مشروع الرئيس..!

تشهد بلادنا اليوم انجاز المحطة الأخيرة في خارطة طريق رئيس الجمهورية قيس سعيد وهي الدور الثاني لانتخابات المجالس المحلية والتي تهمّ نظريا زهاء 4 ملايين ناخب فقط، اي نصف الجسم الانتخابي تقريبا بما ان 1348 دائرة من جملة 2123 دائرة حسمت أمر مرشحيها منذ الدور الأول.

ويراهن رئيس الجمهورية كثيرا على الانتخابات المحلية ويؤكد أنها ستمكن المهمّشين والذين لا صوت لهم من أن يكونوا فاعلين وان يساهموا في اتخاذ القرارات وقد عبّر عن هذه القناعة في تصريح إعلامي أثناء تأديته لواجبه الانتخابي في الدور الأول وكرّر ذلك قبل أيام خلال الزيارة الميدانية إلى ولاية القصرين، وحين سئل عن الحلول التي أتى بها إلى الجهة المنكوبة أجاب أن الحلّ بأيدي أبنائها الذين سيلجون المجالس المحلية..
وعلى غرار الدور الأول، وحتى بالرجوع الى انتخابات مجلس نواب الشعب بدوريها الأول والثاني أيضا يُنتظر ان تكون نسبة المشاركة ضعيفة ولا تبتعد كثيرا عن عشرة بالمائة من الناخبين، وهي مسألة لن تؤثر على سير ومصداقية العملية الانتخابية ولا حتى السياسية بما أن القانون لا يضع عتبة للشرعية فيكفي أن تنجز الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عملية الاقتراع بنجاح بمن حضر وكما اتفق حتى يتم الحديث عن منجز وعن عرس انتخابي.
وهذه النسبة الضعيفة التي يرى الرئيس وأنصاره أنها لا تمس في شيء الشرعية والمشروعية بما أنها غير متأتية بفضل المال الفاسد، يعتبرها خصومه برهانا إضافيا على عدم تجاوب الناخب التونسي مع ما سمّي بالبناء القاعدي ونظام الاقتراع على الأفراد دون أن ننسى حالة العزوف العام عن الاهتمام بالشأن السياسي وترذيل الحياة الحزبية والجمعياتية وتداعيات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وغيرها..

وأمام هذا الأمر الواقع، وبإعلان هيئة الانتخابات عن النتائج الأولية في الساعات القادمة والنتائج النهائية قبل يوم 7 فيفري الجاري يُطرح السؤال حول مشروع الرئيس قيس سعيد وهل وقع استكماله أم ثمّة محطات ومتطلبات وشروط أخرى لإقفاله ؟.
نعم هناك الكثير مما يجب فعله في قادم الأيام سواء قبل إجراء الاستحقاق الرئاسي الموعود خلال هذه السنة الجارية 2024 أو بعده على الأصعدة القانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية حتى تكتمل منظومة الحكم ويتبين الاختلاف بين رئيس الجمهورية الذي دخل قصر قرطاج عبر الانتخابات الرئاسية في 2019 على قاعدة دستور 2014، ورئيس الجمهورية الذي فعّل الفصل 80 من هذا الدستور في 25 جويلية 2021 ثم استبدله بدستور جديد وتمكّن بواسطته من سلطات واسعة جعلت أساتذة القانون الدستوري يتحدّثون عن نظام رئاسوي قائم الآن في بلادنا.

بداية، لعلّها من المفارقات الكبرى في الانتخابات بشكل عام أن نستبق الأمور وننظم انتخابات مهمة على الصعيد الوطني قبل استكمال الإطار القانوني الذي ينظم جانبا كبيرا من عمل من سينتخبهم الشعب، فلا أحد على سبيل المثال يعرف العلاقة بين مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم بمن فيهم الأعضاء الذين فازوا في الدور الأول، والطريف أن مجلس النواب شرع بعد في النظر في طريقة صياغة نص قانوني ينظم هذه العلاقة.!.
إضافة لذلك، لا مناص من الإقرار بضرورة صياغة قانون جديد يحدّد صلاحيات المجالس المحلية بالوضوح التام لاجتناب الخلط بينها وبين صلاحيات المجالس البلدية ففي الحملة الانتخابية مثلا تحدّث المترشحون عن إنارة وتعبيد الطرقات ورفع الفضلات وإدخال الماء الصالح للشراب والتشغيل وغيرها وهو الأمر نفسه الذي حصل في الحملة الانتخابية لمجلس نواب الشعب وقد تدخّلت هيئة الانتخابات آنذاك وزادت في تعقيد الأمور بأن طلبت من المترشحين تعمير جذاذة تحتوي «الوعود» الانتخابية وجدول تنفيذها وطرق تمويلها وتبين بعد ذلك أن هذا الأمر «خارج عن الموضوع» كما يُقال وقد يصبح في المرحلة القادمة سيفا مسلّطا على النواب ويعرّضهم لآلية سحب الوكالة جراء عدم الوفاء بالوعود.
مؤسّساتيا دائما، يظل السؤال اللغز حول مصير المحكمة الدستورية والسر في عدم إرسائها رغم ان الشروط التي كانت مشطة ربما وتعجيزية في دستور 2014 تم تجاوزها في دستور 2022 والمسألة أصبحت تقريبا تقنية تستوجب فقط إرادة مباشرة من رئيس الجمهورية في تكليف من يهمّه الأمر.

ونفس الأمر بالنسبة الى الهيئات المستقلة الأخرى التي هي في حالة موت سريري على غرار الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري «الهايكا» وهيئة مكافحة الفساد اللتين يُعتبر وجودهما بالشكل الحالي إهدارا للمال العام وعبءا على البلاد والعباد.
سياسيا، تحتاج بلادنا إلى مصالحة شاملة بين مكوناتها الوطنية سواء منها الحزبية أو الجمعياتية أو النقابية أو الكفاءات والشخصيات الوطنية التي تؤمن حقيقة بالعمل المدني السلمي وبقيم الجمهورية ولم تضع نفسها خارج الدولة فالاختلاف عنصر ثراء والديمقراطية تعني في أبجدياتها وجود من يحكم ومن يعارض ومن يقوم بالدور التعديلي.
أما في الجانب الاقتصادي والاجتماعي، فليس هناك أبلغ ممّا صدح به محافظ البنك المركزي قبل أيام أمام نواب الشعب بالذات حين صارحهم بأن الوضعية صعبة للغاية وان الحل في الاستثمار والاستثمار كما هو معلوم سواء منه الداخلي أو الخارجي مرتبط بمناخ من السلم والاستقرار الاجتماعي ومن سيادة الحريات وكذلك من الإصلاح الإداري ومقاومة الفساد مع عدم شيطنة الإدارة أيضا أو القضاء أو رجال الأعمال رغم ما في هذه القطاعات من مساوئ فتلك رسائل قد يكون لها أثر عكسي يعيق أي مشروع للحكم في البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

تحتضنه بلادنا غدا: انتظارات كبرى من الاجتماع التشاوري الأوّل لقادة تونس والجزائر وليبيا

تنفيذا للقرار الذي تم اتخاذه في اللقاء المغاربي الثلاثي قبل شهرين ونيف في العاصمة الجزائري…