2024-02-02

مقاربة رئيس الجمهورية في علاقة بالمنشآت والمؤسسات العمومية : التشخيص دقيق والإصلاح باهظ ومعقّد..!

تحوّل رئيس الجمهورية قيس سعيد أول أمس في زيارة غير معلنة إلى الشركة الوطنية لعجين الحلفاء بمدينة القصرين حيث عاين عن كثب وضعية الشركة ووضعية العاملين بها بعد أن أصبحت تعاني من صعوبات هيكلية وعميقة تهدد ديمومتها ووجودها وهو وضع شبيه ببقية المؤسسات العمومية التي كانت تمثل إبان الاستقلال و في سنوات التأسيس عماد الاقتصاد الوطني لما تمثله من تنافسية على المستوى المحلي و العالمي…حقبة لعبت فيها المؤسسات العمومية دورا رياديا في النهضة الاقتصادية والاجتماعية التي عاشتها تونس سنوات الثمانين على وجه الخصوص.
اليوم وبعد عقود من الاستنزاف المشط لقدرة هذه المؤسسات و استشراء الفساد وعدم تعهد معداتها بالصيانة والتجديد أصبحت هذه المؤسسات في مواجهة مباشرة مع شبح الاندثار والإفلاس في المقابل يجدد رئيس الجمهورية تشبثه بهذه المؤسسات وبدورها الاقتصادي و الاجتماعي خاصة في المناطق التي يحاصرها الفقر والتهميش حيث تتحول هذه الشركات إلى متنفس اقتصادي وشريان حياة داخلها وهو ما تمثله شركة عجين الحلفاء في مدينة كمدينة القصرين.

الرئيس قيس سعيد يراهن على أن فرص الإصلاح ما تزال متاحة وأن اجتثاث دابر الفساد يمثل أولى خطوات الإنقاذ وأنه محمول على الدولة اليوم ضخ مزيد من الإعتمادات و الأموال لإعادة هيكلة هذه المؤسسات حتى تستعيد قدراتها الإنتاجية في المقام الأول ومن ثمة قدراتها التنافسية و اكتساح الأسواق من جديد داخليا وخارجيا …وعلى نبل و صدقيّة هذه النوايا فإنها قد تصطدم بواقع مغاير تماما فلا السياق التاريخي يحاكي ذلك الذي أنشئت فيه هذه المؤسسات ولا الأدوار ولا الرهانات التي رفعتها في البدايات صالحة لهذه الظرفية الاقتصادية و الاجتماعية وحتى البيئية و الإيكولوجية.
وهو ما يفرض إلمام عملية الإصلاح بكل هذه المعطيات وغيرها حتى تبلغ الهدف المرجو وحتى يكون الإنقاذ مبنيا على قواعد صلبة و صحيحة تضمن استمرارية هذه المؤسسات وقدراتها الذاتية على المحافظة على ديمومتها و الاستغناء على الدعم الذي تحول إلى عبء مرهق للدولة.

وليس خافيا على أحد أن الإصلاح وإعادة الهيكلة وتجديد المعدات و الأساطيل يتطلب اعتمادات ضخمة ودعما هاما من الداخل والخارج و هو الرقم الغائب اليوم عن المعادلة الإصلاحية حيث أن البلاد تعيش تحت وطأة شح في السيولة خاصة في العملة الصعبة دفع بها إلى مراجعة القانون الأساسي للبنك المركزي من أجل التمويل المباشر لخزينة الدولة مقابل محدودية فرص خروج تونس على السوق الدولية للاقتراض بعد تعثر وصولها لاتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي والذي يرى في معالجة ملف المؤسسات العمومية حجر زاوية لبقية الإصلاحات التي أوصى بها الصندوق.
كما يوصي بعض أهل الاختصاص أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال التعاطي مع المؤسسات العمومية كحزمة واحدة بل الدراسة و الخطط الإصلاحية تمر حالة بحالة و تأخذ في الإعتبار الأهمية الاقتصادية و الاجتماعية و الربحية لهذه المؤسسات في ظل اقتصاد وطني وعالمي متحول حيث يصبح «الإصلاح» خلعا للأبواب المفتوحة وعبءا وإهدارا للوقت و للمال و استنزافا لقدرة الدولة على أداء واجباتها الاجتماعية (النقل- الصحة- التعليم) على أكمل وجه.

رئيس الجمهورية يحمّل في كل زيارة لإحدى المؤسسات العمومية التي توشك على الانسحاب من الدورة الاقتصادية للبلاد الفساد مسؤولية ما تردت إليه الأوضاع غير أن سوء الإدارة و الحوكمة والإهمال و التعويل على مسؤولين في غير مواضعهم لا يقل إجراما في حق هذه المؤسسات من الفساد التي أخذت تتآكل من الداخل على مدى عشرات السنين دون أن يحرك أحد ساكنا… وفي السلبية مسؤولية أيضا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إلغاء التأشيرة على المواطنين العراقيين والإيرانيين: خطوة لتعزيز العلاقات ومزيد انفتاح تونس على محيطها الإقليمي

أعلنت وزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج أول أمس، أنه تقرر إلغاء تأشيرة الدخ…